ومن طباع النفس التي خُبِلت عليها ، أنها متى خذلت وكان خذلانُها من قِبَل ما تعده أكبر فخرها وأجملَ صتعِها وأعظمَ همها وأصابها الوَهن فِي ذلك ، وضربها الخذلانُ باليأس ، فقلما تنفعها نافعة بعد ذلك أو تجزثئها قوة أخرى ؛ وقلما تصنع شيئاً دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه ومجاوَزةِ ما لا تستطيع إلى ما تستطيع .
فمن ثم لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآنُ من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم ،
ومن جهة الكلام الذي هو سيدُ عملهم ، بل تصدعوا عنه وهم أهلُ البسالة والبأس وهم مَساعير الحروب ومغاويرها ، وهم كالحصى عدداً وكثرة ، وليس لرسول الله جمتِ إلا نفسهُ ، وإلا نفرٌ قليل معه ، لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مفادَتهم ونصرَهم إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم
وكاثرَهم وغلبهم على أنفسهم ؛ فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإن لها ما يكون للخطبة الطويلة
والقصيدة العجيبة فِي قبيلة بأجمعها ، ولهذا قام كل فرد منهم فِي نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكأنه فِي نفسه
قبيلة فِي مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها ، وهذا هو حق الشعور الذي كان يشعر به كل مسلم فِي السرايا والجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح ، حتى نصروا بالرعب من بعيد وقريب ، وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم ، وتُعد المراصد لعدوهم من نفسه ، وتسلبه ما
لا يسلبه إلا الموت وحده ، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا ، ويريد أعداؤهم أن يحيوا فيموتوا . . وإلا فاين تلك الشراذم العربية القليلة ، من جيوش الروم والفرس ، وهي فيها كالشامة
في جلد البعير ، ولو قعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها!
على أن من أعجب ما فِي أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعته على