(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(62) .
التحدي والمعارضة:
كان العرب قد بالغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة ، ومن دقة الحس البياني ، حتى أوشكوا أن يصيروا فِي هذا المعنى قبيلاً واحداً باجتماعهم على بلاغة الكلمة
وفصاحة المنطق ، وأنهم لأول دعوة من بلغائهم وفصحائهم ، مع تباعد ديارهم بعضهم عن بعض ، وتعاديهم واختلافهم فِي غير هذا الحس باختلاف قبائلهم ومعايشهم ، لأن الكلام هو
يدفعهم إلى المنافرة ، ويبعثهم على المفاخرة ، وما كان الكلام صناعة قوم إلا أصبتهم معه كالجُمَل المؤلفة يردُ بعضها بعضاً ويدور بعضها على بعض ، فيكون كل فرد منهم كأنه لفظ حي ، وكأن
معنى حياته فِي الألفاظ وفيه معاً .
وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء ، ولم يظهر فِي أمة ظهورَه فِي جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام ، وفي جاهليتهم الثانية من بعده ، لا حين استفحل أمر الفِرق الإسلامية
واستحرَّ الجدالُ بينهم ، فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خَواص واقتحموا تلك الخصومات
حتى يَبس ما بين بعضهم إلى بعض ، وإن كان ليس بينهم إلا الدينُ والعقل .
فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغَه لفظاً وأسلوباً ومعنى ، ليجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى امتلكها استطاع أن يصرفها ، وأن يحدث منها ،
وكانت رأسَ أمره وقِوَامَ تدبيره ، إذ هي بصبغتها العقلية ومعناها النفسي ؛ وهو لا ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فبما هي قوية به ، بحيث يَشعر أهلها بالعجز
والضعف والاضطراب ، شعوراً لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس والتضريب بين الشك واليقين .