السادسة عشرة: الحدّ الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك.
وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك ، رضي الله عنهم.
وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقُرْبةٍ تعبُّديّة ، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها ، بحيث لا يُتعدّى شيء من شروطها ولا أحكامها ؛ فإن دم المسلم وحرمته عظيمة ، فتجب مراعاته بكل ما أمكن.
روى الصحيح عن حُضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتِي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهِد عليه رجلان ، أحدهما حُمران أنه شرب الخمر ، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ؛ فقال عثمان: إنه لم يتقيّأ حتى شربها ؛ فقال: يا عليّ قم فاجلده.
فقال عليّ: قم يا حسن فاجلده.
فقال الحسن: وَلِّ حارّها من تَوَلَّى قارّها (فكأنه وَجَد عليه) فقال: يا عبد الله بن جعفر ، قم فاجلده ؛ فجلده وعليّ يَعُدّ ...
الحديث.
وقد تقدم في المائدة.
فانظر قول عثمان للإمام عليّ: قم فاجلده.
السابعة عشرة: نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف ، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة على ما تقدم في المائدة فلا يجوز أن يُتعدَّى الحد في ذلك كله.
قال ابن العربيّ:"وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر ولا احْلَوْلت لهم المعاصي ، حتى يتخذوها ضَراوة ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوْا عن منكرٍ فعلوه ؛ فحينئذٍ تتعيّن الشدّة ويزاد الحدّ لأجل زيادة الذنب."
وقد أتِيَ عمر بسكران في رمضان فضربه مائة ؛ ثمانين حدّ الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر.
فهكذا يجب أن تركّب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات.