فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 311593 من 466147

إن وضع الكلمة موضعها من السياق والنظر إليها على أنها لبنة في بناء محكم الأواصر أمر ينبغي أن يوضع في الاعتبار لدى الدارسين في البلاغة والنقد؛ لأن الكلمات لا تكتسب دلالة محددة قبل أن توضع في السياق، ولله در عبد القاهر حين يقول:"وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها، وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة وفي خلافه قلقة ونابية ومستكرهة إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما! وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقًا للتالية في مؤداها".

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن مقياس الغرابة ينبغي ألا يؤخذ على إطلاقه، بل لا بد أن يقيد بإطار المدة الزمنية التي استعملت فيها الكلمة، فاللغة تتطور من عصر إلى عصر، كما يتطور المتحدثون بها جيلًا بعد جيل، وقد تبدو الكلمة غريبة بالنسبة لنا في هذا العصر، لكنها ليست كذلك حين توضع في إطارها التاريخي، وقد تنبه لذلك المتأخرون من شراح (تلخيص المفتاح) حيث نصوا على أن الحكم على الكلمة بالغرابة حين تكون غير مأنوسة الاستعمال إنما هو في عرف الأعراب الخلص؛ وذلك لأن العبرة بعدم ظهور المعنى وعدم مأنوسية الاستعمال بالنسبة للعرب العرباء، سكان البادية لا بالنسبة للمولدين وإلا خرج كثير من قصائد العرب بل جلها عن الفصاحة، فإنها الآن لغلبة الجهل باللغة على أكثر علماء هذه الأزمان فضلًا عمن عداهم لا يعرفون مفرداتها فضلًا عن مركباتها.

ولو نظرنا إلى الغرابة بالنسبة إلى استعمال الناس الذين لا يتمتعون بالحس اللغوي الشائع لدى العرب الخلص لكان جميع ما كتب من الغريب غير الفصيح، والقطع بخلافه، ولعلنا نقرأ في الشعر الجاهلي، وفي القرآن الكريم كثيرًا من الكلمات التي تحتاج لفهم معناها إلى البحث عنه في كتب اللغة، وهي مع ذلك فصيحة، لم يقل أحد بغرابتها؛ لأنها كانت كذلك في عصرها السالف، ولذلك ذهب ابن يعقوب المغربي إلى أن الحكم على الكلمة بالغرابة أمر نسبي، والكلمة حينئذ غير مخلة بالفصاحة بالنسبة إلى العرب الخلص؛ لأنها عندهم ظاهرة المعنى. ومنها غريب القرآن والحديث، فغرابتهما مستحسنة؛ لعدم إخلالهما بالفصاحة، فيكون ذلك باعتبار قوم وهم المُوَلَّدُون دون قوم، وهم الخلص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت