فلو وقف الكلام عند أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ لكان المعنى تاما بليغا، ولكن ترادف الصفات بعد ذلك والإفراط فيها أضاف للمعنى ظلالا زادت من درجة الهول الذي يطالعنا من خلال هذه الصورة التي لونتها المبالغة تلوينا يرفعها في البلاغة إلى ذروة الإعجاز.
ومن الأمثلة أيضا قول ابن نباته السعدي في سيف الدولة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
ومنه قول ابن الرومي مبالغة في البخل:
لو أن قصرك يا ابن يوسف ممتل ... إبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل!
وقوله أيضا:
فتى على خبزه ونائله ... أشفق من والد على ولده
رغيفه منه حين تسأله ... مكان روح الجبان من جسده
(يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ)
إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، ولكنه يمتنع عادة.
والذي زاد وجه الإغراق هنا جمالا هو تقريبه إلى الصحة بلفظة «يكاد» ، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان.
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلفظة «لو» قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو «هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق» على حد قول ابن حجة الحموي.
(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ)
فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين، إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين وقدمه على الماشي على أربع، لأنه دل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشي في الأربع. وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب. انتهى انتهى {من لطائف وبدائع البلاغة القرآنية، للدكتور/ عبد العزيز عتيق} ...