الربع الثامن: نموذج ناجح للإستخلاف في الأرض (قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام -) وهي آخر تجربة ورد ذكرها في السورة. أولا ابتلى سبحانه آدم في أول الخلق (تجربة تمهيدية) ثم بني إسرائيل فكانت تجربة فاشلة ثم ابتلى إبراهيم - عليه السلام - فنجح (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وفي هذه الآية إثبات أن الاستخلاف في الأرض ليس فيه محاباة فالذي يسير على منهج الله وطاعته يبقى مسؤولا عن الأرض والذي يتخلى عن هذا المنهج لا ينال عهد الله (لا ينال عهدي الظالمين) . امتحن الله تعالى سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بكلمات فلما أتمهن قال تعالى (إني جاعلك للناس إماما) ثم دعا إبراهيم ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولا منهم (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) آية 136 - وفي نهاية قصة سيدنا إبراهيم الآية (قولوا آمنا بما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم) جاء ذكر الأنبياء كلهم وهذا مرتبط بآية سورة الفاتحة (صراط الذين أنعمت عليهم) فكأنما كل هؤلاء المذكورين في آية سورة البقرة هم من الذين أنعم الله تعالى عليهم والذين يجب أن نتبع هداهم والصراط الذي اتبعوه.
وملخص القول في القسم الأول من السورة أن القصص الثلاث: قصة آدم (إني جاعل في الأرض خليفة) وقصة بني إسرائيل (واني فضلتكم على العالمين) وقصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - (إني جاعلك للناس اماما) هذه القصص الثلاث بدايتها واحدة وهي الاستخلاف في الأرض وعلينا نحن أمة المسلمين أن نتعلم من تجارب الذين سبقونا وأن نستشعر الأخطاء التي وقعت فيها الأمم السابقة ونعرضها على أنفسنا دائما لنرى أن كنا نرتكب مثل هذه الأخطاء فتوقف عن ذلك ونحذو حذو الأمم السابقة الذين نجحوا في مهمة الاستخلاف في الأرض كسيدنا إبراهيم - عليه السلام - . وفي القصص الثلاث أيضاً اختبار نماذج مختلفة من الناس في طاعة الله تعالى فاختبار سيدنا آدم - عليه السلام - كان في طاعة الله (أكل من الشجرة أم لا) واختبار بني إسرائيل في طاعتهم لأوامر الله من خلال رسوله واختبار سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه إسماعيل أيضا اختبار طاعة لله تعالى (واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) . وخلاصة أخرى أن الآمة مسؤولة عن الأرض والفرد أيضا مسؤول وللقيام بهذه المسؤولية فهو محتاج للعبادة وللأخذ بالعلم والتكنولوجيا.