فالمراد من الأمر في الآية الكريمة إباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان حتى طلوع الفجر. في التعبير بصيغة الأمر مكان الإباحة حثٌّ على تناول السحور، وكأنه أمر مطلوب مرغوب فيه، ومثل ذلك: قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة: 10) وفيه: حثٌّ على العمل، وابتغاء الرزق.
ويأتي الأمر للتخيير بين شيئين أو أشياء بحيث يختار منها السامع. كما في قول بشار:
فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانب
فهو يخير مخاطبه بين أمرين: العيش واحدًا منعزلًا، أو صلة الإخوان ومخالطتهم مع التجاوز عما يكون منهم من إساءات؛ فتلك لا بد منها على حد قول الآخر:
وليس بمستبقٍ أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
هذا، والفرق بين الإباحة والتخيير: أن الإباحة إذن في الفعل وإذن في الترك، فهو إذنان معًا. أما التخيير: فهو إذن في أحدهما من غير تعيين؛ ولذا فالتخيير لا يجوز الجمع بين الشيئين والإباحة تجوزه.
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... (194) }
وتعال معي لتتأمل ما جاء في قول الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة: 194) وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} أي: جازوه على اعتدائه، ولكنه عبر عن المجازاة بالاعتداء؛ لأنه سببها، وقد سوغت هذه السببية أن تقيم الاعتداء مقامَ ما يترتب عليه وتنيبه عنها في الدلالة، ووراء هذا المجاز إبراز لقوة السببية بين الاعتداء وجزائه، وأنه - أعني: الجزاء - يجب أن يكون نتيجة ومحصلة لازمة للاعتداء، فهو لا يتخلف عنه، وكأن هذه الفاء أيضًا مشعرة بسرعة المكافحة وضرورة الترتب.
وليس هذا الذي أشير إليه متناقضًا مع الدعوة إلى العفو والحث عليه؛ لأن المقام في الآية الكريمة ليس مقام تسامح؛ لأنه يحدد الموقف بين المسلمين وغير المسلمين، وعندئذ لا عفو ولا تسامح حتى تظهر الشوكة والغلبة.