القراءة الأولى:"إنما حَرمَ عليكم الميتةُ"ببناء حَرم للمعلوم ورفع الميتة، خبر لمبتدأ محذوف، وعلى هذه القراءة تكون"ما"اسما موصولا وعائده محذوف، والمعنى: إن الذي حَرّمه عليكم هو الميتة، وهو قصرٌ في التحريم على الميتة وما بعدها، وطريق القصر تعريف الطرفين. والقراءة الثانية:"إنما حُرّم عليكم الميتة"ببناء حُرم للمفعول ورفع الميتة، وعلى هذه القراءة فـ"ما"اسم موصول، والمعنى: إن الذي حُرم عليكم هو الميتة، وهو قصرٌ طريقه تعريف الطرفين، ويصح أن يكون"ما"على هذه القراءة كافة لإن، والمعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهذا قصر أيضًا للتحريم على الميتة وما تلاها، وطريقه"إنما". والقراءة الثالثة:"إنما حرم عليكم الميتةَ"ببناء حرم للفاعل ونصب الميتة، فما كافة لإن، والمعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، فهو قصر طريقه"إنما"، وبهذا يتضح لك تطابق القراءات الثلاث في إفادة القصر، سواء أكانت"ما"كافة لـ"إن"أو موصولة.
ب - قول من يحتج بقولهم مِن النحاة، وهم من أخذوا اللغة من كلام العرب مشافهة: إن"إنما"لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه؛ أي لإثبات الحكم المتضمن لما بعدها ونفي ما سوى ذلك الحكم، وهذا القول من النحاة يقتضي تضمنها الإثبات والنفي، كـ"ما وإلا"، سواء في قصر الموصوف على الصفة كقولك: إنما زيد قائم، فهو لإثبات قيام زيد ونفي ما عداه من القعود ونحوه، وإما في قصر الصفة على الموصوف، كقولك: إنما يقوم زيد، فهو لإثبات قيام زيد ونفي ما سواه من قيام عمرو وخالد وبكر وغيرهم، وهذا هو القصر الذي يدل عليه النفي والاستثناء.
ج - صحة انفصال الضمير معها: كقولك: إنما يقوم أنا، وإنما يُكْرَم أنت، وإنما يُعطى نحن؛ وذلك لأنه متى أمكن اتصال الضمير فلا يُعدل إلى انفصاله إلا لغرض، فلا يجوز أن تقول: يُكرم أنت ولا يقوم أنا ولا يُعطى نحن؛ لإمكانك أن تقول: تكرم وأقوم ونكرم ونعطى، فلما صحّ انفصال الضمير مع إنما دل ذلك على أنها بمعنى"ما وإلا"؛ لأن"إلا"لا يليها سوى الضمير المنفصل، كقولك: ما يقوم إلا أنا وما يكرم إلا نحن، وكقول عمرو بن معد يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
قَطَّر بمعنى صرعه صرعة شديدة. ومن ورود الضمير منفصلا بعد"إنما"قول الفرزدق وهو من الذين يستشهد بشعرهم على صحة التراكيب وبلاغتها:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي