وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ الْغَضَبَ إِنَّمَا حَصَلَ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْآخِرَةِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ الْغَضَبِ هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) هُوَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.
فَإِنْ قَالُوا: السِّينُ فِي قَوْلِهِ: (سَيَنالُهُمْ) لِلِاسْتِقْبَالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى حُكْمِ الدُّنْيَا؟
قُلْنَا: هَذَا الْكَلَامُ حِكَايَةٌ عَمَّا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخْبَرَهُ بافتتان قَوْمِهِ وَاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ، فَأَخْبَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ سَابِقًا عَلَى وُقُوعِهِمْ فِي الْقَتْلِ وَفِي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ.
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)
«فَإِنْ قِيلَ» : التَّقْدِيرُ لِلَّذِينِ يَرْهَبُونَ رَبَّهُمْ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لِرَبِّهِمْ) ؟
قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ تَأْخِيرَ الْفِعْلِ عَنْ مَفْعُولِهِ يُكْسِبُهُ ضَعْفًا فَدَخَلَتِ اللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) [يُوسُفَ: 43]
الثَّانِي: أَنَّهَا لَامُ الْأَجْلِ وَالْمَعْنَى: لِلَّذِينِ هُمْ لِأَجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لَا رِيَاءً ولا سُمْعَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يُزَادُ حَرْفُ الْجَرِّ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِكَ: قَرَأْتُ فِي السُّورَةِ وَقَرَأْتُ السُّورَةَ، وَأَلْقَى يَدَهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ، وَفِي الْقُرْآنِ (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) [الْعَلَقِ: 14] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ (لِرَبِّهِمْ) اللَّامُ صِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ كقوله: (رَدِفَ لَكُمْ) وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 73] .