قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ سُؤَالٌ لِمَنْ يَقْدَحُ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ طه مَعَ الْجَوَابِ الصَّحِيحِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالطَّاعِنُونَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ يَقُولُونَ إِنَّهُ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِهَانَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَالْمُثْبِتُونَ لِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالُوا إِنَّهُ جَرَّ رَأْسَ أَخِيهِ إِلَى نَفْسِهِ لِيُسَارَّهُ وَيَسْتَكْشِفَ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَاذَا قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَافَ أَنْ يَتَوَهَّمَ جُهَّالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ غَضْبَانُ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ غَضْبَانُ عَلَى عَبَدَةِ الْعِجْلِ فَقَالَ لَهُ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَمَا أَطَاعُونِي فِي تَرْكِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقَدْ نَهَيْتُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي مِنَ الْجَمْعِ مَا أَمْنَعُهُمْ بِهِمْ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ، فَلَا تَفْعَلْ بِي مَا تَشْمَتُ أَعْدَائِي بِهِ فَهُمْ أَعْدَاؤُكَ فَإِنَّ الْقَوْمَ يَحْمِلُونَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي تَفْعَلُهُ بِي عَلَى الْإِهَانَةِ لَا عَلَى الْإِكْرَامِ.
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ(152)
فِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَقْوَامَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَإِذَا تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي حَقِّهِمْ إِنَّهُ (سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ؟