فَنَقُولُ: أَجْمَعَ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى أَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَوْنَهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِ أَوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أَنَّ عِبَادَتَهُ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعِبَادَةَ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَنِهَايَةُ التَّعْظِيمِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ يَصْدُرُ عَنْهُ نِهَايَةُ الْإِنْعَامِ وَالْإِكْرَامِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَهَذَا الْقَوْلُ صَدَرَ مِنْ كُلِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ؟
قُلْنَا: بَلْ مِنْ بَعْضِهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ الْبَاطِلِ.
فَإِنْ قَالُوا: إِذَا كَانَ مُرَادُهُمْ بِعِبَادَةِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ التَّقَرُّبَ بِهَا إِلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا الْوَجْهُ فِي قُبْحِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ؟
قُلْنَا: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَتَّخِذُوهَا آلِهَةً أَصْلًا وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا كَالْقِبْلَةِ وَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُمْ: (اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) .
قَوْلُهُ: (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ)
فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى فَضَّلَهُمْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّهُمْ بِتِلْكَ الْآيَاتِ الْقَاهِرَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ فَضَلَهُمْ بِسَائِرِ الْخِصَالِ وَمِثَالُهُ: رَجُلٌ تَعْلَّمَ عِلْمًا وَاحِدًا وَآخَرُ تَعَلَّمَ عُلُومًا كَثِيرَةً سِوَى ذَلِكَ الْعِلْمِ فَصَاحِبُ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ مُفَضَّلٌ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ بِذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ مُفَضَّلٌ عَلَى صاحب العلم الواحد في الحقيقة.
(وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(142)
فإن قيل: وما الحكمة هاهنا فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِينَ ثُمَّ إِتْمَامِهَا بِعَشْرٍ؟