فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَالِ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِتِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَوَالِيهَا وَإِظْهَارِ الْكَثِيرِ مِنْهَا؟
وَأَيْضًا فَقَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبُوا الْمُعْجِزَاتِ فَمَا أُجِيبُوا فَمَا الْفَرْقُ؟
وَالْجَوَابُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي رِعَايَةِ الصَّلَاحِ فَلَعَلَّهُ عَلِمَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُؤْمِنُ عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الزَّائِدَةِ، وَعَلِمَ مِنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَزْدَادُ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ(136)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْغَفْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَلَا تَحْصُلُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَيْفَ جَاءَ الْوَعِيدُ عَلَى الْغَفْلَةِ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْغَفْلَةِ هُنَا الْإِعْرَاضُ عَنِ الْآيَاتِ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا فَهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهَا حَتَّى صَارُوا كَالْغَافِلِينَ عَنْهَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ قَدْ ضَمُّوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَالْغَفْلَةِ مَعَاصِيَ كَثِيرَةً؟
فَكَيْفَ يَكُونُ الِانْتِقَامُ لِهَذَيْنَ دون غيرهما؟
قُلْنَا: لَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّهُ تَعَالَى انْتَقَمَ مِنْهُمْ لِهَذَيْنَ مَعًا دَلَالَةً عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْآيَاتِ النَّظَرُ فِيهَا وَلِذَلِكَ ذَمَّهُمْ بِأَنْ غَفَلُوا عَنْهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ طريق مذموم.
(قالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ كُفْرًا؟