قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَالَ: أُقْسِمُ لَكُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَقَالَا لَهُ: أَتُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ؟
فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقَاسَمَةً بَيْنَهُمْ
وَالثَّانِي: أَقْسَمَ لَهُمَا بِالنَّصِيحَةِ وَأَقْسَمَا لَهُ بِقَبُولِهَا.
الثَّالِثُ: إِنَّهُ أَخْرَجَ قَسَمَ إِبْلِيسَ عَلَى زِنَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِأَنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهَادَ الْمُقَاسِمِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَالَ قَتَادَةُ: حَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ حَتَّى خَدَعَهُمَا وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أَيْ قَالَ إِبْلِيسُ: إِنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا وَأَنَا أَعْلَمُ أَحْوَالًا كَثِيرَةً مِنَ المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما.
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(26)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى إِنْزَالِ اللِّبَاسِ؟
قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ الْمَطَرَ وَبِالْمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ اللِّبَاسُ فَصَارَ كَأَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ اللِّبَاسَ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ لَمَّا كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالْأُمُورِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ صَارَ كَأَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) [الزُّمَرِ: 6] وَقَوْلُهُ: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) [الْحَدِيدِ: 25] .
(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(29)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: (أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) خَبَرٌ وَقَوْلُهُ: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) أَمْرٌ وَعَطْفُ الْأَمْرِ عَلَى الْخَبَرِ لَا يَجُوزُ؟
وَجَوَابُهُ التَّقْدِيرُ: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ، وَقُلْ: أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.