(يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)
قَوْلُهُ: (خُذُوا زِينَتَكُمْ) أَمْرٌ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عند إقامة كل صلاة.
وهاهنا سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إِنَّهُ: تَعَالَى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (خُذُوا زِينَتَكُمْ) أَمْرَ إِبَاحَةٍ أَيْضًا؟
وَجَوَابُهُ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الظَّاهِرِ فِي الْمَعْطُوفِ تَرْكُهُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ قَدْ يَكُونَانِ وَاجِبَيْنِ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَنْعِ مِنَ الطواف حال العُري؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّا بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) يَقْتَضِي وُجُوبَ اللُّبْسِ التَّامِّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ اللُّبْسَ التَّامَّ هُوَ الزِّينَةُ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِجْمَاعًا فَبَقِيَ الْبَاقِي دَاخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ أَنْ تَفْسُدَ الصَّلَاةُ عِنْدَ تَرْكِهِ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تُوجِبُ الْعِقَابَ عَلَى مَا شَرَحْنَا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْأُصُولِ.
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(32)
تَفْسِيرُ الْآيَةِ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا غَيْرَ خَالِصَةٍ لَهُمْ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ.