فاء الفعل من اتقى بأن أبدلوها تاء وأدغموها في تاء افتعل أعلُّوها أيضًا بالحذف ، فقالوا: تَقَى يَتْقِي. ومثله ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر1:
قَصَرْتُ له القبيلة إذا تَجهْنا وما ضافت بشدته ذراعي
فيمن رواه بفتح الجيم2 ، ألا ترى أن وزنه افتعلنا من الوجه اوتَجَهْنا ، فلما أُبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء افتعل فصارت اتجه ، شجُعوا على أن حذفوها أيضًا فقالوا: تَجَه؟ فوزن تَجَه الآن على لفظه تَعَل ، ومضارعه يتَجِه ، ومثاله يتَعِل ، وكذلك تَقَى فَعَل ، والجاه وزنه على اللفظ بسكون الألف عَفْل ، وهو قبل القلب عَفَل ؛ لأنه صار من جَوْه إلى جَوَه ، وأصله الأول فعْل لأنه وَجْه ، ولولا إشفاقي من الإطالة لبسطت هذا ونحوه بسطًا يونِقُ عارفيه وأهله ، وفيما ذكرنا دليل على ما أُغفل.
وأما"اثنتا عشَرة"بفتح الشين فعلى وجه طريف ؛ وذلك أن قوله:"اثنتي"يختص بالتأنيث ، و"عشَرة"بفتح الشين تختص بالتذكير ، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه. وأقرب ما تُصرف هذه القراءة إليه أن يكون شبَّه اثنتي عَشَرة بالعقود ما بين العشرة إلى المائة ، ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون ، فتجد فيه لفظ التذكير ولفظ التأنيث؟ أما التذكير فالواو والنون ، وأما التأنيث فقولك: ثلاث من ثلاثون ؛ ولذلك صلحت ثلاثون إلى التسعين للمذكر والمونث فقلت: ثلاثون رجلًا وثلاثون امرأة ، وتسعون غلامًا وتسعون جارية ، فكذلك أيضًا هذا الموضع.
ألا تراه قال تعالى: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} ؟3 فـ"أَسْبَاطًا"يؤذن بالتذكير ، و"أمم"يؤذن بالتأنيث ، وهذا واضح.
وحَسُن تشبيه اثنتي عشرة"64و"برءوس العقود دون المائة من حيث كان إعراب كل واحد منهما بالحرف لا بالحركة ، وذلك اثنتا عشْرة واثنتي عشْرة ، فهذا نحو من قولهم: عشرون وعشرين ، وخمسون وخمسين ، وتسعون وتسعين ، فافهمه.
ومما يدلك على أن ضم أسماء العدد بعضها إلى بعض يدعو إلى تحريفها عن عادة استعمالها قولهم: أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة ، وكان قياس أربع وأربعة وخمس وخمسة أن يكون
1 لمرداس بن حصين من بني عبيد إله بن كلاب ، شاعر جاهلي. قصرت: حبست ، القبيلة: اسم فرسه.
2 هو الأصمعي ، ورواية أبي زيد"تجهنا"بكسر الجيم. وانظر: النوادر: 6 ، 7 ، والخصائص: 2/ 286 ، واللسان"وجه".
3 سورة الأعراف: 160.