واحدة منهما لغة صاحبتها وتركت مألوف اللغة السائرة عنها ، فقال أهل الحجاز: اثنتا عشْرة بالإسكان ، والتميميون عشِرة بالكسرة.
وسبب ذلك ما أذكره ؛ وذلك أن العدد موضع يَحْدث معه ترك الأصول ، وتُضم فيه الكلم بعضه إلى بعض ، وذلك من أحد عشر إلى تسعة عشرة ، فلما فارقوا أصول الكلام من الإفراد وصاروا إلى الضم فارقوا أيضًا أصول أوضاعهم ومألوف لغاتهم ، فأسكن من كان يحرك ، وحرك من كان يسكن ، كما أنهم لما حذفوا هاء حنيفة للإضافة حذفوا معها الياء ، فقالوا: حنفي ، ولما لم يكن في حنيف هاء تحذف فتحذف لها الياء قالوا فيه: حنيفي ، كقولهم: الجاه ، وأصله عندنا الوجه ، فقلبوه فقدموا العين على الفاء ، وكان قياسه أن يقولوا: جَوْه ، إلا أنهم لما قلبوا شجُعوا عليه فغيروا بناءه. فأصاروه من جَوْه إلى جَوَه ، فانقلبت الواو التي هي فاء في موضع العين ألفًا لانفتاح ما قبلها وحركتها ، فصارت جاه كما ترى.
وحسَّن ذلك لهم أيضًا ما أذكره ؛ وهو أنهم قد علموا أنهم إذا حركوا الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفًا وهي"63ظ"ساكنة كما تعلم أبدًا ، فصار عودهم إلى سكون الحرف مسوغًا لهم تحريكه المؤدي إلى سكونه ، حتى كأنهم لم يحدثوا في الحروف حدثًا.
فإن قيل: فهلا أقروا الواو على سكونها ، واستغنوا بذلك عن تحريكها المؤدي إلى سكون الحرف المنقلب عنها وهو الألف.
قيل: الذي فعلوه أصنع ؛ وذلك أنهم إذا قلبوه ألفًا صار بمنزلة وجود الحركة فيه ؛ لأن الألف في نحو هذا لا تنقلب إلا عن حركة وهي مع هذا ساكنة ، فاجتمع لهم في الألف أمران:
أحدهما: تحريك الساكن لما عَرَض لهم هناك في القلب على عادتهم في إلحاق التحريف1 بعضه ببعض.
والآخر: سكون الألف لفظًا مع ما قدمناه من اعتقاد تحريكها معنى.
وإذا أدى الحرف الساكن مع خفته تأدية المحرَّك على ثقله ، فتلك صنعة مأْنوس بها مُعْتَمَدٌ مثلها ، وما لحقه تغيير ما فدعا ذاك إلى إلحاقه تغييرًا ثانيًا كثير في اللغة جدًّا ، ألا ترى إلى أحد قولي سيبويه في أَينُق: إن الياء فيها بدل من الواو التي هي عين في أصل الكلمة ؛ وذلك أن أصلها أَنْوُق ، وقد حكاها الفراء فيما رويناه عنه ، فقدمت العين على الفاء فصار تقديرها أونق ، فلما تقدمت العين على الفاء فتوهنت بذلك قلبوها ياء فقالها: أينق ، وكذلك لما أَعلُّوا
1 المراد: التغيير والميل عن المعتاد في الاستعمال.