وقد أخبرنا اللّه عن كيفية توبتهم في الآية 54 من سورة البقرة في ج 3 ، وهذه من الأمور الشاقة المبينة في الآية 156 الآتية المخصصة بشريعة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن التوبة تقبل قولا وتتم بحسن النية ، أما اليهود فلا تقبل توبتهم إلا باستئذان من اللّه ولا تكون إلّا فعلا ، فيا حسرتهم لم يؤمنوا به ولم يتبعوه كي يستفيدوا من هذا التخفيف ، وان أسلافهم الكرام ، لما أخبرهم موسى بقبول توبتهم على أن يقتل بعضهم بعضا رضوا بحكم اللّه فقتل بعضهم بعضا حتى أن الأب صار يقتل ابنه والابن أباه والأخ أخاه ، وهكذا حتى ماتوا شهداء تائبين رحمهم اللّه ، ولا يتصور بعد هذا أن ينالهم غضب وذلة لأن الحد مزيل للعقوبة ومطهر منها ولا حد أكبر من القتل ولا أفظع منه بالصورة المذكورة ، واللّه تعالى أكبر من أن يجعل على عباده عذابين ، وخاصة بعد أن خضعوا لأمره وأنابوا لمراده وهذا أحسن وجه للتفسير ، وما قاله ابن جريح من أن الغضب والذّلة لمن مات على عبادة العجل أو فر من القتل وجيه ، ولكن المفسرين على خلافه ، ولذلك جرينا على أن الغضب لمن لم يتب منهم ولم تقبل توبته ، أي بأن كان حال يأس ، ومن قال ان المراد بهم اليهود الذين في زمن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ومن قال ان المراد بهم أولاد الذين عبدوا العجل على عهده صلّى اللّه عليه وسلم ، وفسر الغضب بعذاب الآخرة مطلقا والذلة بالجزية.