والمعنى: وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه.
هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - تعالى - قد حرمها، لأنه سبحانه - لا يحرم إلا الخبائث. ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحرم.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة، بعد ذكره لعشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ.
وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم.
والاستقسام: طلب معرفة ما قسم للإنسان من خير أو شر.
والأزلام: قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاى أو ضمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام، لأنها زلمت أي سويت، ويقال: رجل مزلم وامرأة مزلمة، إذا كان جيد القد، جميل القوام.
وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها: أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها: أمرنى ربي وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة، فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي أمسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي.
والمعنى: وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام، لأن هذا الفعل فسق، أي: خروج عن أمر الله وطاعته.
فاسم الإشارة «ذلكم» يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة. ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم.
قال ابن كثير: وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «قاتلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا» .