ولكل تحريم حكمة قد تكون ظاهرة ، وقد تكون خافية . والقرآن قد نزل على رسول أمي في أمة أمية لا تعرف المسائل العلمية الشديدة التعقيد ، وطبق المؤمنون الأوائل تعاليم القرآن لأن الله الذي آمنا به إلها حكيما هو قائلها ، وهو يريد صيانة صنعته ؛ وكل صانع من البشر يضع قواعد صيانة ما صنع . ولم نجد صانع أثاث - مثلا - يحطم دولاب ملابس ، بل نجده باذلا الجهد ليجمل الصنعة ، وما دام الله هو الذي خلقنا وآمنا به إلها ؛ فلا بد لنا أن ننفذ ما يأمرنا به ، وأن نتجنب ما نهانا عنه ، ولا يمنع ذلك أن نتلمس أسباب العلم ، رغبة في ازدياد أسباب الإيمان بالله ومن أجل أن نرد على أي فضولي مجادل ، على الرغم من أنه ليس من حق أحد أن يجادل في دين الله ؛ لأن الذي يرغب في الجدال فليجادل في القمة أولاً ؛ وهي وجود الله ، وفي البلاغ عن الله بواسطة الرسول ؛ فإن اقتنع ، فعليه أن يطبق ما قاله الله . فالدين لا يمكن أن نبحثه من أذنابه ، ولكن يبحث الدين من قمته . ونحن ننفذ أوامر الله . ولذلك نجد أول حكم يأتي لم يقل الحق فيه: يا أيها الناس كتب عليكم كذا ، ولكن سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ} أي يا من آمنت بي خذ الحكم مني .
وأكرر المثل الذي ضربته سابقاً: أثمن ما عند الإنسان صحته ، فإذا تعرضت صحته للاختلال فهو يدرس الأسباب ؛ إن كان يرهقه الطعام يختار طبيبا على درجة علم عالية في الجهاز الهضمي ، ويكتب الطبيب الدواء ، ولا يقول المريض للطبيب: أنا لن أتناول هذا الدواء إلا إذا قلت لي لماذا وماذا سيفعل هذا الدواء .
إذن فالعقل مهمته أن ينتهي إلى الطبيب الذي اقتنع به ، وما كتبه الطبيب من تعاليم فعليك تنفيذها ، وكذلك الإيمان بالله ، فما دام الإنسان قد آمن بالله إلها فعليه أن ينفذ الأوامر في حركة الحياة ب"افعل"و"لا تفعل"، والمريض لا يناقش طبيبا ، فكيف يناقش أي إنسان ربه:"لم كتبت علي هذا"؟