وإن كان الكف عن الظلم في هذه المسائل لا يتم إلا ببذل المال، فالأولى بذله إلا ذلك لا يلزم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أبان بقوله من قبل (دون ماله) فأولى أن لا يلزمه أن يفدى بعشر غيره، أو ماله بماله.
ولكن لو لقي رجل مسلماً قد أشرف على الهلاك من جوع أو عطش أو عري تداركه، وذلك لا يكون إلا بالمال وهو يجده، فعليه أن يتداركه به.
فإن سمحت نفسه بالبر فيه فذلك أزكى له.
فإن قصد العوض، فقد قيل له: أن يرجع به عليه.
والفرق بينهما أن الذي هم ظالم بقتله، له أن لا يفتدى، فإن قدر على الإفتداء، لأن القتل له شهادة، وكذلك لغيره أن لا يفديه.
وأما الجائع، فلو وجد طعاماً لنفسه يأكله لم يجز له أن لا يأكل حتى يموت.
وكذلك غيره، إذا رأوه مشرفاً على الهلاك من الجوع وعنده فضل طعام، لم يكن له أن يحبسه عنه حتى يموت.
ولو رأى رجل عدواً أخذ ماله، كان له أن لا يفتديه بشيء دونه فيسترده، فكذلك لا يلزم غيره هذا في ماله والله أعلم.
وفيما ينبغي من التعاون على البر والتقوى، وقال ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد صار الله في أمره ومن أعان على خصومة فقد باء بغضب من الله حتى ينزع» .
وفي إعانة المسلم قال أبو ذر: يا رسول الله، أخبرني عن عمل أدخل به الجنة؟ قال: «إيمان بالله قلت: أمع هذا غيره؟ قال: ترجح، فما أجرى الله عليك.
قلت: فإني فقير، ليس عندي ما أرجح.
قال: تعين مغلوباً.
قلت: فإن كنت ضعيفاً، قال: تصنع لأخرق، قلت: فإن كنت أخرق منه قال: يا أبا ذر، ما تريد أن تكون فيك من خصال الخير شيء من هذه الخصال إلا جاءتك يوم القيامة بأحسن صورة فتأخذ بيدك ولا تفارقه حتى يدخلك الجنة».
وفي النصرة قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من رد عن عرض أخيه رد الله وجهه عن النار يوم القيامة» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضاً، وسبل بين أصابعه» وعن أبي موسى قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إذا جاءه سائل أو طالب حاجة أقبل إلينا بوجهه، فقال: «اشفعوا فلتؤجروا، أو ليقضي الله بلسان نبيه ما شاء» .
ودخل في هذا الباب أن إعانة اللهفان ونصرة المظلوم والسؤال للمحتاج ما فرعنا منهما وما شكينا عنه، وكل ما نجز ذاكره فيما يتلو هذا الباب من أبواب البر.