ولكن المعين لا يظل دائماً معينا ، بل سينقلب في يوم ما إلى أن يكون مُعانا ، والمعان لا يظل مُعانا ، بل سيأتي وقت يصير فيه مُعينا ، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض والمطالب أن يعبد الله الذي لا شريك له ، وأن يعمر هذه الأرض . ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة فيها ، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد ، بل لا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة .
إننا حين نبني عمارة واحدة نستخدم أجهزة كثيرة لطاقات كثيرة بداية من المهندس الذي يرفع مساحة القطعة من الأرض ويرسمها ، وإن شاء الترقي في صنعته يصنع نموذجا مجسدا لما يرغب في بنائه ، وبعد ذلك يأتي الحافر ليحفر في الأرض ثم من يضع الأساس ، ومن يضع الحديد . ومن يصنع"الخرسانة"المسلحة .
ثم يأتي من يرفع البناء ، ومن يقوم بالأعمال الصحية من توصيلات للمياه والمجاري ، ثم يأتي من يصمم التوصيلات الكهربائية ، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد ، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد .
إذن فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة . وما دام الإستخلاف في الحياة بقتضي من الإنسان عمارة هذه الحياة ، وعمارة الحياة تقتضي ألا نفسد الشيء الصالح بل نزيده صلاحا ، وحين يقول الحق: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} أي انه يريد كوناً عامراً لا كوناً خرباً . والشيء الصالح في ذاته يبقيه على صلاحه . إذن فعمارة الحياة تتطلب منا أن نتعاون على الخير لا على الإثم .