عنده، فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة، ولم يتجاوز في ذلك كله صفة الريح التي شبّهه بها، وقوله:"إنه أسرع في الندى منها هبوبا"؛ كأنه من قول ابن عباس رضي الله عنهما:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ كان كالريح المرسَلَة".
{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ... (61) }
وفيما اعترض فيه شك: نحو أن تقول للرجل:"كأنك لا تعلم ما صنع فلان؟"فيقول:"أنا أعلم".
وفي تكذيب مُدّعٍ: كقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [سورة المائدة: 61] فإن قولهم"آمنا"دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به.
{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... (117) }
ثم القصر - كما يقع بين المبتدأ والخبر كما ذكرنا - يقع بين الفعل والفاعل وغيرهما؛ ففي طريق النفي والاستثناء يؤخّر المقصور عليه مع حرف الاستثناء, كقولك في قصر الفاعل على المفعول - إفرادا أو قلبا - بحسب المقام:"ما ضرب زيدٌ إلا عمرًا"وعلى الثاني لا الأول قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [سورة المائدة: 117] ؛ لأنه ليس المعنى:"إني لم أزد على ما أمرتني به شيئا"؛ إذ ليس الكلام في أنه زاد شيئا على ذلك أو نقص منه، ولكن المعنى:"إني لم أترك ما أمرتني به أن أقوله لهم إلى خلافه"؛ لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى:"إنك يا عيسى تركتَ ما أمرتُك أن تقوله إلى ما لم آمرك أن تقوله؛ فإني أمرتك أن تدعو الناس إلى أن يعبدوني، ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا غيري"، بدليل قوله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة المائدة: 116] .
{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) }