والقرآن الكريم يربى المسلمين على ضوء ما وقع فِي العصور الخوالى ، ويشرع لهم من الأحكام ما يجنبهم مزالق الأمم الأولى ، ومن ثم فقد ذكر بعد هذه القصة حكم المفسدين فِي الأرض المعتدين على الأنفس والأموال.
فشرع عقوبة قطع الطريق ، وعقوبة السرقة ، وبين التشريعين نبه إلى ضرورة تقوى الله. ان ابن آدم الفاشل إنما ضاع لفراغ قلبه من التقوى ، فعلى أهل الإيمان أن يتجنبوا ذلك المصير"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون"والوسيلة المطلوبة هي الأعمال الصالحة ، والعمل الصالح يحتاج فِي أدائه إلى عزيمة تقهر العقبات ، وتسترخص النفس والنفيس ، وهذا هو الجهاد المؤدى إلى الفلاح. * * * * والوحي الإلهى هو المصدر الفريد لشرائع العبادات ، وشرائع المواريث ، وشرائع الحدود والقصاص ، ولا مكان هنالك لرأى أو قياس أو مصلحة. وأهل الأديان المتعاقبة يتوارثون هذه الحقيقة ، ولكنهم يحيدون عنها أحيانا لغلبة الأهواء ، وضعف مبدأ السمع والطاعة!! إن الجرائم التي تقع على الدماء ، والأموال والأعراض خطيرة الآثار ، ولذلك تولى الله سبحانه الحكم فيها ، ولم يتركها لاجتهاد أحد ، لأن الناس سوف يتساهلون فِي التطبيق الواجب ، ويحتالون باختلاق بدائل لا تسمن ولا تغنى من جوع... والبشر عندما يسنون قانونا يتصورون أنفسهم مكان الجانى فتخف حدتهم ، وتذهب غيرتهم على الحق ، فإن لم يضعوا أنفسهم مكان الجانى وضعوا أولادهم وأقاربهم ، فكانوا أميل إلى تخفيف العقوبة والرحمة بالمجرمين! وربما كان للأوضاع الاجتماعية أثرها فِي مؤاخذة الضعيف ومسامحة الشريف! وقد شاع ذلك فِي أهل الكتاب الأولين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".. وقد تطورت الأمور بين أهل الكتاب فأهمل حكم القطع وتنوسى