وأنتم لا تعلمون. [1] كما نفى سبحانه أي مشابهة بينه وبين أي خلق من مخلوقاته، فقال سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . [2] ولكن شر تشبيه أن يشبهه المرء بالأشرار والفجار والفساق من الولاة وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
إن هذا هو الذي يحمل بعض العلماء والمحققين على المبالغة في إنكار التوسل بذوات الأنبياء واعتباره شركًا وإن كان هو نفسه ليس شركًا عندنا، بل يُخشى أن يؤدي إلى الشرك، وقد أدى فعلًا بأولئك الذين يعتذرون لتوسلهم بذلك التشبيه السابق الذي هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون". [3] ومعلوم أن في عقيدة الإمام الطحاوي أن من شبه الله بشيء من مخلوقاته يكفر."
وبعد كل هذا قد تبين لك أخي القارئ كيف أن المتوسلين يجعلون وسائط بينهم وبين الله ويعلّلون ذلك بهذا التشبيه الذي يؤدي بصاحبه إلى التهلكة لأن هذا التشبيه كفر كما بين ذلك العلماء، فما عليك أخي القارئ بعد هذا البيان إلا الرجوع إلى أوامر الله تعالى حيث قال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} . [4] فلماذا هذه الوسائط ما دام أنك تستطيع سؤال الله تعالى مباشرة وهو الذي أمرك بذلك. وكذلك عليك الرجوع إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي بيّن لأمته حقيقة هذه الآيات، وأنه يجب عليهم دعاء الله وحده وعدم اتخاذ الوسائط إليه، فقال وهو يعلّم ابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما:"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".
وعليك الرجوع إلى خير القرون، إلى صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين هم أعلم بمراد الله ورسوله من غيرهم، لأن الحبيب - صلى الله عليه وسلم - كان بين أظهرهم، وكانوا يسألونه عن كل شيء، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذ قحطوا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان كما يقول المضلون أنه يجوز التوسل بالفاضل مع وجود الأفضل لما كرر ذلك عمر رضي الله عنه وهو الذي قضى حياته وخلافته مجاورا لقبره - صلى الله عليه وسلم -، ولكان ذهب مباشرة إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه أن يسأل الله سبحانه وتعالى لهم أن يسقيهم ولكن عمر رضي الله عنه كان يعلم أن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بحياته والتوسل يكون بدعائه عليه الصلاة والسلام، فعدل عمر رضي الله عنه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام إلى العباس لأنه يعلم أن التوسل كان بدعائه وليس بذاته، ولو كان بذاته لما عدل عمر إلى العباس رضي الله عنهما، لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا لا يعدلون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد من البشر ما دام بإمكانهم الرجوع إليه - صلى الله عليه وسلم -.
فعلم بعد ذلك أنه لا يجوز التوسل بذاته - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان التوسل في حياته بدعائه عليه الصلاة
(1) النحل: 73.
(2) الشورى: 11.
(3) التوسل ص 147 - 148.
(4) البقرة: 186.