وقد ادعى الأحباش أن علم الكلام هو علم التوحيد، فقال الحبشي: (بيان أن التوحيد من أفضل العلوم) . [1] فقال الشيخ عبد الرحمن دمشقية في كتابه"بين أهل السنة وأهل الفتنة"بأن الحبشي لا يقصد هنا علم التوحيد المحمود، قال:"غير أن الحبشي يقصد من تعلم التوحيد: التوحيد على طريقة أهل الكلام الذين ذمهم أهل التوحيد الحقيقيون، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. هذا العلم الذي خالطوه بالتوحيد الصافي، ولو أردت الدليل على أن علم توحيده ليس على طريقة السلف الصالح فانظر إلى المصطلحات الفلسفية التي يستخدمها في كلامه عن التوحيد كقوله: (وأما الجوهر والعرض في اصطلاح علماء التوحيد) . [2] "
قال الشيخ دمشقية:"الجوهر والعرض هما أهم دعائم العقيدة عند أهل الكلام والجدل، ومن أبرز مصطلحات أهل الفلسفة والمنطق، ولقد صرح أبو الحسن الأشعري بتحريم الخوض في الجوهر والعرض لما فيهما من اللوازم الفاسدة، مؤكدًا بأنه بدعة محرمة في دين الأنبياء". [3]
وقال شيخهم في سيدني: (إن علم الكلام فرض كفاية كما نص على ذلك الغزالي والسيوطي) . فنقول: أما لو ثبت ذلك عن السيوطي فيحق لنا أن نسأله: من الذي شرعه فرض كفاية. أهو الله الذي جعل صلاة الجنازة فرض كفاية؟؟؟ وكيف يكون فرض كفاية وقد ذمه الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد، وطعنوا في دين من يتعاطاه حتى قالوا"علماء الكلام زنادقة"، وحكم الشافعي بعقوبتهم! فلماذا لم يثبت الحبشي على مذهب الشافعي في موقفه من علم الكلام؟ أم أن موقف السيوطي صار الآن أقرب إلى الحق من الشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة!!!
وأما الإمام الغزالي فقد نهى عن علم الكلام فقال:"فأما مضرته (أي علم الكلام) فإثارة الشبهات"، وأكد أن"حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود". [4]
وقال ابن أبي العزّ:"والسلف الصالح لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحًا جديدًا على معانٍ صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق". [5]
ثم قال:"ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة وما فيها من علوم صحيحة فقد وعَّروا الطريق إلى"
(1) الدليل القويم: 1.
(2) الدليل القويم: 14.
(3) بين أهل السنة وأهل الفتنة صـ 57.
(4) إحياء علوم الدين 1/ 94 - 97.
(5) شرح العقيدة الطحاوية، ج1 ص238.