وقلت بأن الله فوق العرش، يعني ذلك أن الله فوق السماء. فما بالك الآن تراجعت. قال: لأن القول بهذا المعنى يجعل الله في حيز. قلت: لا، إنه ليس كما تقول، إننا جعلنا الله في حيز. دعني أضرب لك مثلًا، ولكن الله ليس كمثله شيء، لكن لأسهل عليك الأمر: تصور رجل في كفّه تفاحة، هل أصبح هذا الرجل داخل التفاحة. قال: لا. قلت"ولله المثل الأعلى". كذلك كان الله ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن خارج المكان! قال يا أخي هل تريد أن تذهب معي إلى البيت وهناك نقرأ معًا كتب الشيخ -أي الحبشي- قلت له للأسف لا، قال لماذا، قلت له لأنك لم تستطع أن تجيبني على هذا الأمر، فتريد أن ترجع إلى قول شيخك، يعني هذا أنك لا تريد الخضوع للكتاب والسنة، ولا تريد إذا ما اتضح لك الأمر الهداية، ولكن ترجع إلى قول شيخك وتتمسك به، وفي ذلك تكون خرجت من الحرج الذي أنت فيه الآن أمام الأخوة هنا. فنسأل الله لكم ولشيخكم الهداية، فإن لم تهتدوا فنسأل الله أن يريحنا من شر فتنتكم، وينجّي أهل السنة والجماعة من ضلالاتكم.
وقد حكى الشيخ ناصر الدين الألباني بأن قول هؤلاء بمنزلة قول الشيوعيين والدهريين الذين قالوا ليس في الوجود إله، إنما هي المادة، وهؤلاء الأحباش قالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصل به ولا منفصل عنه لأنهم انتهوا إلى وصف الله بالعدم، ولو سألناهم صفوا لنا العدم لقالوا: العدم ما ليس فوق ولا تحت ولا خارج ولا داخل ولا يمين ولا يسار. فهل بعد هذا الإلحاد إلحاد؟!
وقد صدق فيهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية:"المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدمًا". وعندما طلب دعاة السوء محاكمته إلى الحاكم وادعوا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يشبّه الله -كما يدعي ذلك الأحباش اليوم، ويتبيّن من العبارة السابقة أنه كان يحارب المشبهة، فكيف بك أخي إذا رجعت إلى كتبه، لوجدته أشد الناس حربًا على المشبهة والمعطلة الذين عطلوا الصفات كما هو حال الأحباش اليوم- فحضر ابن تيمية إلى الحاكم، وبعد أن تكلموا وانتهوا طلب الحاكم من شيخ الإسلام أن يتكلم، فلما أثبت له فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه بأدلة واضحة من الكتاب والسنة ومن أقوال السلف الصالح، قال الحاكم عندئذ -وكان رجلًا فطنًا-"هؤلاء قوم أضاعوا ربهم". وهذا القول ينطبق على الأحباش اليوم لأنهم كذلك قوم أضاعوا ربهم، فقالوا لا نعرف أين الله، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد سن لنا أن نسأل أين الله، وأقر لنا الجواب بأنه فوق السماء، وهذا الحديث سيظلّ شوكة في حلق نفاة علو الله.
وهذا الحبشي ضرب بآيات القرآن عرض الحائط، وردّ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفن أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الحق من أهل السنة والجماعة تحت التراب مستندًا إلى بيت من الشعر لجاهليٍ نصراني، وهو المعروف بالأخطل:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: بأنه لم يعرف قائل هذا البيت.
فسبحان الله، هل أهل الإثبات والتنزيه مشبّهون أم أنتم أيها الحبشيين المشبهون؟ لقد وقع شيخكم في التشبيه وهو يدّعي تنزيه الله فعطل آياته، وشبه الله بخلقه وهو يدّعي أننا نحن المشبّهة؟!
فها أخي القارئ قد تبين لك من هو المشبه، نحن أم هم. نحن قد أثبتنا أن الله في السماء لقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} [الملك 16] ونزهناه بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى 11] . وهم لم ينزهوا الله بل شبّهوه ببشر حينما زعموا أن استواء الله شبيه باستواء بشر على العراق، تعالى الله عما يقول الأحباش علوًا كبيرا.
ولقد ردّ الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى هذا القول فقال:"وهذا فاسد (أي الاستدلال بهذا الشعر) لأنه لو كان ذلك لما كان العرش أولى بالاستيلاء عليه من سائر المخلوقات، ولجاز لنا أن نقول: (الرحمن على الأرض استوى) ، لأنه تعالى مستول عليها وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقوله أحد، فصار هذا القول دعوى مجردة بلا دليل". [1]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، و سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [2] وقوله تعالى: {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ} [3] وقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} ، [4] وقوله تعالى: {ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه} ، [5] قال مجاهد في تفسير هذه الآية"الملائكة تعرج إلى الله". [6] وقوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} ، [7] وقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} ، [8] وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات} ، [9] ثم عد أكثر من عشر آيات دالات على فوقية الله سبحانه وتعالى على المخلوقات"
(1) الملل والنحل لابن حزم 2/ 123.
(2) فاطر: 10.
(3) آل عمران: 55.
(4) النساء: 158.
(5) المعارج: 3 - 4.
(6) رواه البخاري.
(7) الحديد: 5.
(8) النحل: 50.
(9) البقرة: 29.