وها نحن أخي القارئ نبين لك نصّ قول أبي حنيفة رضي الله عنه الذي حرفه الأحباش، وذاك هو:"فقد روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه"الفاروق"بسنده إلى أبي مطيع البلخي، أنه سأل أبا حنيفة -رضي الله عنه- عمن قال لا أعرف ربّي في السماء أم في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول: {الرحمن على العرش استوى} وعرشُهُ فوقَ سبعِ سماوات، قلت فإن قال إنه على العرش، ولكن يقول لا أدري العرشُ في السماء أم في الأرض. قال هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر". وزاد غيره من الرواة قوله:"لأن الله في أعلى عليين، وهو يُدعى من أعلى لا من أسفل". [1]
وقد ناقشت حبشيًا، وهو الآن من المدرسين في مدارس الأحباش في سيدني، والأحباش يعتمدون عليه وعلى القليل من أمثاله لنشر ضلالهم بين المسلمين، فقلت له مستندًا بهذا القول وبغيره من الأحاديث التي تثبت العلو لله سبحانه وتعالى، قلت:"هل تعتقد أن الله في السماء."أجاب: لا. قلت لماذا. قال"لأن الاعتقاد بذلك كفر". قلت: كيف يكون كفرا وهذا القول الذي ذكرته لك يثبت ذلك. قال:"لأننا إذا قلنا بأن الله في السماء فقد حصرناه فيها والله بلا مكان، لأن المكان محاط بالجهات الست، والله محال عليه أن يكون محصورًا بين هذه الجهات الست، والإمام علي يقول:"كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان". قلت له إن هذا القول عن الإمام علي ضعيف، ولكن على افتراض أنه صحيح، فهل يُستدلّ بهذا القول على أن الله ليس في السماء."
إن الإمام علي - رضي الله عنه - قال -إن صحّ عنه هذا القول- بأن الله كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. نحن نثبت جهةً أثبتها الله لنفسه وهي جهة الفوق كما قال سبحانه مخبرًا عن نفسه: {ءأمنتم من في السماء} ثم قلت له ماذا تقول في هذه الآية:"ءأمنتم من في السماء"قال: المقصود بها جبريل. قلت وماذا تفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} ، قال: الخلف قالوا بأن استوى أي استولى، قلت والسلف قالوا في تفسير هذه الآية أي أن الله فوق العرش. قال ولكن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أحكم! قلت إذا كان السلف أسلم فيجب على كل مسلم أن يسير على طريقهم لأن طريقهم أسلم من الخلف الذين حكّموا عقولهم المريضة في ذلك، ولم يرجعوا إلى الكتاب والسنة. فبهت وقال نعم، إتباع السلف أفضل. قلت إذن تؤمن بأن الله استوى على العرش، أي أنه فوق العرش. قال نعم، وهذا قول السلف. قلت إذن أين العرش. قال في السماء، قلت يعني أن الله في السماء لأنه فوق العرش. فبهت وقال: لا! إن هذا القول كفر. فقلت له: أنت قلت أنك تؤمن بأن العرش فوق السماء،
(1) رواه الذهبي في"العلو"ص103 والشيخ علي القاري في"شرح الفقه الأكبر"ص171، وهوفي"الفقه الأكبر"ص36، أنظر"شرح العقيدة الطحاوية"ص 386 - 387.