وأما بالنسبة لحديث شداد بن أوس و ثوبان وهما صحيحان، فما القول فيهما؟ فنقول: إن القول فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثم نسخه وهذا احتمال؛ لأنه قد جاء من حديث الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للصائم بالقبلة والحجامة) ، يعني: أنها كانت منهية قبل ذلك, ثم رخص النبي عليه الصلاة والسلام بها، وهذا أحد وجوه التوجيه لحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) .يؤيد ذلك ويعضده أن الصحابة عليهم رضوان الله ظاهر عملهم على عدم الفطر من الحجامة، كما صح ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله, وروى كذلك مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك، وتركه لذلك إما تركه لمخافة الضعف أو من باب الاحتياط، وجاء ذلك أيضا عن عروة بن الزبير أنه كان يحتجم وهو صائم، وجاء أيضًا عن سعد بن أبي وقاص فقد روى عنه ابنه أنه كان يحتجم وهو صائم, وجاء ذلك أيضًا عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله. وأما القول بالفطر من الحجامة, وأن الفطر يفطر الصائم, فهذا جاء عن جماعة من العلماء على ما تقدم الإشارة إليه. ولكن الذي يظهر والله أعلم أن عمل عامة الصحابة على خلافه، ولهذا نميل إلى ترجيح القول بعدم الفطر من الحجامة لهذه الأسباب، ومن أظهرها هو أن عامة الصحابة على خلاف ذلك، فإنه جاء عنهم أنهم كانوا يحجمون وهم صيام، فنقوم بالنظر في هذا الحديث وتوجيهه, إما أن يكون منسوخًا أو أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك من أجل أن لا يتضرر الصائم، وهذا له وجه؛ وذلك أنه قد جاء من حديث أنس بن مالك أنه قال: (إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف) ، يعني: حتى لا تتسبب بضعفه فيفطر فيحتاج إلى ذلك.