وهنا من السياسة الشرعية أن الإنسان إذا كان في بيئة أو في زمن يعظم الناس فيه العمل في زمان أو في مكان بغير دليل، فلا حرج عليه أن لا يؤدي العبادة فيه؛ لأن حفظ دين الناس من الابتداع والإحداث أولى من أن يحفظ الإنسان عبادة كان يؤديها، كحال الإنسان الذي اعتاد مثلًا على صلاة الضحى ولا يدعها أبدًا فناسب وقت صلاة الضحى وجوده في موضع تعظمه الناس من جهة الصلاة فيه، ولا دليل على تعظيمه، فالسنة له أن يدع الصلاة ولا يؤديها حتى لا يوافق أعمال المبتدعة فيؤيدهم في ذلك أو يكثر سوادهم، ولهذا عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى كان يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام, لا كراهة لجنس الصيام وإنما حتى لا يلبس على الناس في ذلك دينهم.
قال رحمه الله: [ (والجمعة والسبت في الصوم) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا يصومنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده) ، متفق عليه] .وأما بالنسبة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة, فذلك أن يوم الجمعة هو عيد الأسبوع فاستحب فيه الفطر إلا من كان يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، وأما بالنسبة لمن كان يصوم يومًا ويفطر يومًا كصيام داود فما حاله في يوم الجمعة؟ لأنه لابد أن يصوم يوم الجمعة منفردًا، فهو يصوم يوم الجمعة ويفطر اليوم الذي قبله وهو يوم الخميس ويفطر اليوم الذي بعده وهو يوم السبت، ثم يصوم الأحد ثم يصوم الإثنين، فهل هذا استثناء من النبي عليه الصلاة والسلام لحديث صيام داود، أم أن صيام داود هو القاضي أو الناسخ لذلك الحديث؟ نقول: إن صيام داود محكم، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة محكم. وأما بالنسبة لصيام داود إذا أراد الإنسان أن يصوم يومًا وأن يفطر يومًا على سبيل الدوام نقول: يستثنى هذا من النهي عن صيام يوم الجمعة، فيصوم يومًا ويفطر يومًا.