وهذا من المواضع التي وقع فيها خلاف عريض بين الحنابلة وبين الجمهور، وصنف في هذا جماعة من الأئمة انتصارًا للمذهب، كأبي الفرج بن الجوزي الذي صنف في هذا رسالة أسماها كشف اللوم والضيم في حكم صوم يوم الغيم، وصنف كذلك ابن عبد الهادي رسالة في هذه المسألة.
قال رحمه الله: [ (ويحرم صوم العيدين) إجماعًا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (نهي عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى) ، متفق عليه] .هنا ذكر حرمة صوم يوم عيد الفطر وهو الذي يعقب رمضان، فإذا حرم صوم يوم الشك فإن يوم العيد آكد؛ لأن يوم العيد فيه اجتماع الناس، وفرحهم بانتهاء صيامهم وانتهاء عدة رمضان، فإن مقتضى ذلك هو النهي عن الصيام، وينهى عن صوم يوم العيد يومًا واحدًا، وهذا ظاهر عمل السلف. وعند بعض الفقهاء يكره اليوم الأول والثاني في الفطر، وأما بالنسبة لعيد الأضحى فإن اليوم الأول محرم، والباقية محل خلاف وهي أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها، وسيأتي الكلام عليه. والعلة في النهي عن صوم يوم النحر أظهر من علة النهي عن الصوم في يوم الفطر؛ لأن يوم النحر هو يوم أكل وشرب ويوم نحر الهدي، فإذا نحروا ولم يأكلوا ما كان ثمة علة لاستحباب وتأكيد النحر، فينحرون شيئًا لا يبكرون بإظهار النعمة بتناوله. ويوم الفطر يحرم صيامه؛ لأن الصيام لا يظهر النعمة بانتهاء رمضان وإكماله، فالمؤمن يفرح بإتمام العدة لا بانقضاء الفريضة وخلوصه منها، وإنما بأن الله عز وجل يسر له تمام النعمة فيحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك، وفيه حفظ الفريضة بابتدائها وانتهائها حتى لا تختلط بغيرها.
قال رحمه الله: [ (وأيام التشريق) لحديث (وأيامنا أيام أكل وشرب) ، رواه مسلم مختصرًا] .