فالله عز وجل شرع لهذه الأمة الصيام وجعله على مراتب, منه ما كان فرضًا على الأعيان كصيام رمضان, وذلك أن الله عز وجل قد جعله ركنًا من أركان الإسلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا، وصوم رمضان) .فصوم رمضان من أركان الإسلام, وهو ما أوجبه الله عز وجل على الأعيان ممن كان قادرًا على أدائها من المكلفين، وأما ما دون ذلك من المراتب فهي على أحوال، فمنها ما هو متأكد ويختلف في درجة ومرتبة تأكيده، ومنها ما يوجب الإنسان من الصيام على نفسه وذلك كالنذر، أو كان ذلك من أمور الكفارات ككفارة الظهار والجماع في نهار رمضان, وغير ذلك من الأمور الواجبة على الإنسان، فأوجبها الإنسان بسبب خاص كفعل خاص أو قول خاص، فهذا أيضًا من الأمور الواجبة على الإنسان. وما كان واجبًا على الأعيان عمومًا هو أفضل من غيره ممن كان على آحاد الناس أو على جماعتهم؛ ولهذا الأصل في الشرائع أن ما أوجبه الله عز وجل على الأعيان فهو أفضل مما يوجبه الله عز وجل على الكفاية، وذلك أن الله إذا أوجب الشيء على العباد عينًا فإنه يريد منهم أن يستكثروا من ذلك العمل لتعظم منزلتهم عند الله فيعظم السبب بدخولهم الجنة والوقاية من النار، فإن الله عز وجل يوجب ذلك عينًا على العباد بخلاف ما يتعلق بأمور الكفايات فإنه يأتي مرتبة دون ذلك. ويأتي بعد ذلك ما كان من أمور السنن والمستحبات من أمور الصيام، وذلك كصيام عاشوراء، وصيام عرفة، والإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام شهر الله المحرم، وصيام شعبان، وغيرها مما جاء به النص من العبادات المحددة بزمان، فهذا من أمور النوافل.