وأما من لم يكن له عادة أن يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه يجب عليه أن يصوم يومًا قبله ويومًا بعده، ويحتمل في ذلك جملة من أسباب النهي عن صيام يوم الجمعة وتخصيصه بالصيام، فمن هذه الأشياء التيسير والرحمة والرأفة بالأمة حتى لا يتكلف الناس ما لا يطيقون. الأمر الثاني: ربما يكون لدفع الظنة؛ لأن الإنسان إذا صام يوم الجمعة وهو يوم راحة الناس واجتماعهم فالناس يتداعون ربما إلى طعام، فإذا صامه ولم يصم يومًا قبله ولا يومًا بعده ربما كان محل إساءة الظن من الناس أنه لا يريد أن يطعم عندهم ولا أن يأكل عندهم، لكن إذا علموا أنه صام الأمس أو سيصوم بعد ذلك في الغد علموا أنه ما كان يقصد امتناعًا عن طعام فلان أو فلان، لأن الناس يجتمعون في أيام العطل أو أيام الأسبوع. وكان من عادة المحدثين أن لا يحدثوا يوم الجمعة، كما جاء عن مكحول فيما نقله ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا عن التحلق يوم الجمعة كما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, وجاء ما يخالف ذلك عند الحاكم في كتابه المستدرك موقوفًا على أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى. وهي من المسائل الاجتهادية، وينبغي أن يفرق بين التحلق قبل الجمعة للتعليم والتدريس وذكر الله، وبين التحلق بعدها، فإذا كان ثمة مدارسة للعلم في مساء الجمعة فيختلف عن صبيحتها، فإن صبيحة الجمعة يكره التحلق والاجتماع وذلك للتهيؤ لصلاة الجمعة والتبكير لها، وليتشوف الناس لكلام الخطيب، وحتى لا يضعف عن إدراك قوله. وأما بعدها مباشرة فإنه يأخذ ذات الحكم، وأما في المساء فالأظهر أنه لا حرج فيه، وذلك لانتهاء يوم الجمعة، فإن اليوم ينتهي بغروب الشمس، ثم يستأنف يومًا آخر، فإن اليوم يتبع الليلة الماضية، والليلة تتبع اليوم الذي يليها.