فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 159

ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يبحث في مسألة من المسائل ووجد دليلًا صحيحًا أن لا يبادر إلى القول به حتى ينظر إلى مسألة إجماع الصدر الأول أعني: الصحابة، وهل عملوا بذلك أو لم يعملوا؟ ولماذا؟ هل لأن أقوال الصحابة هي أعلى مرتبة وأقوى حجة من الدليل المرفوع؟ لا، وإنما هي تعطي توجيهًا للحديث المرفوع لأن الشريعة محكمة، وأولى الناس بالاقتداء والامتثال هم الصحابة. ولهذا يقول غير واحد من العلماء: إن الحديث المرفوع الذي لم يثبت أن الصحابة قد عملوا به لا ينبغي العمل به؛ لماذا؟ ليس ردًا للمرفوع، وإنما هو رد للعمل به, وذلك أن الصحابة ربما علموا النسخ، أو علموا التخصيص، أو علموا أن هذه الحادثة وهذا الحكم نزل على قضية عين لا عموم لها، وذلك في قضايا الأعيان، فإذا جاء نص عليها ينبغي أن لا يعمم. هل تفسر هذا المعنى الأهواء، أم يفسره الدليل وعمل الصحابة؟ يفسره الدليل وعمل الصحابة، ولهذا جاء عن إبراهيم النخعي قوله: كل حديث يردني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعمل به أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لا أبالي أن أرمي به، ليس المراد بذلك رمي الوحي، ولكن المراد بذلك العمل والحكم به؛ لماذا؟ لأن أعلى الناس امتثالًا هم من اختارهم الله لصحبة نبيه، الذين يتسابقون على الاقتداء والاهتداء به، ويعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن إجلالهم لا يحدون النظر إليه، وإذا بزق النبي عليه الصلاة والسلام اقتتلوا على بزاقه، ويقتتلون على وضوئه، ألا يجلونه من جهة العمل؟ يجلونه من جهة العمل، فإذا لم يرد العمل عنهم خاصة في المسائل الظاهرة البينة فهذه أمارة على أن هذا الحديث مما لا يعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت