(214) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ:
مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ، وَنَفْخِهِ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا هَمْزُهُ وَنَفْثُهُ وَنَفْخُهُ؟
فَقَالَ: «أَمَّا هَمْزُهُ فَالْمُوتَةُ، وَأَمَّا نَفْثُهُ فَالشِّعْرُ، وَأَمَّا نَفْخُهُ فَالْكِبْرُ» [1] .
وفي هذا الكلام استعارات ثلاث:
الاولى منها: الاستعاذة من همز الشياطين، وأصل «الهمز» الغمز والدفع، وكلّ شيء دفعته فقد همزته، ويروى بيت القطامي:
تراهم يهمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا [2]
ويروى: «يغمرون» [3] .
فالهمز على ما فسره النبيّ عليه الصلاة والسلام هاهنا الموتة وهي الجنون على الحقيقة، فإنّ الشيطان لا سلطان له على الإنسان ولا يصرعه، ويوسوس له ويفزعه، وقد صرّح التنزيل بذلك، فقال تعالى:
{وَقََالَ الشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلََّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [4] الآية، فعلمنا أنّه لا سلطان له على الإنسان إلّا بالوسواس والتخابيل [5] ، وضروب التهاويل [6] ، فلمّا كان ما يلحق المجنون من
(1) مسند أحمد 4: 80و 6: 156، سنن أبي داود 1: 178/ 764، السنن الكبرى 2: 35.
(2) ديوان القطامي: 35، الصحاح 3: 1285، استركّوا: استضعفوا، المصاع: المجالدة والمضاربة، وصدف فلان المصاع: أوقعه إذا ما أوعد به ولم يخلفه.
(3) أي يعلون عليه. أقرب الموارد 2: 882، مادّة (غ م ر) .
(4) ابراهيم (14) : 22.
(5) جمع تخبيل وهو إفساد العقل. الصحاح 4: 1682، لسان العرب 11: 198.
(6) التهاويل: جمع تهويل، وهو التفزيع والتخويف. لسان العرب 11: 712.