(77) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَذَكَرَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَصِيَامَ النَّهَارِ، فَقَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ» [1] .
فقوله عليه الصلاة والسلام: «هجمت عيناك» استعارة لأنّ المراد به غور العينين لطول القيام، ولبعد العهد بالطعام، وذلك مأخوذ من قولهم:
«هجم فلان على فلان» إذا دخل عليه دخولا فيه سرعة، وله روعة، ويقال: «هجم عليهم البيت» إذا سقط عليهم، فشبّه عليه الصلاة والسلام إفراط دخول العينين في حجاج [2] الرأس بهجوم الرجل الهاجم، أو وجوب [3] البيت الواقع، فالتشبيه بالأوّل لإيغاله في مدخله، والتشبيه بالثاني لزواله عن موضعه. ومعنى «نفهت نفسك» أي أصابها الملال، وجدّها الإعياء والكلال.
(78) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» [4] .
وفي هذا القول مجاز لأنّ المراد به النهي عن أن يكون حفظ الشعر أغلب على قلب الإنسان، فيشغله عن حفظ القرآن وعلوم الدين حتّى
(1) صحيح مسلم 3: 165، السنن الكبرى 3: 16، سنن النسائي 4: 214، صحيح البخاري 2: 49، كنز العمّال 3: 32/ 5324.
(2) الحجاج: العظم الذي ينبت عليه الحاجب. أقرب الموارد 1: 164، مادّة (ح ج ج) .
(3) أي سقوط. المصباح المنير: 468، مادّة (وج ب) .
(4) مسند أحمد 1: 175، سنن الدارمي 2: 297، صحيح البخاري 7: 109، صحيح مسلم 7: 50، سنن ابن ماجة 2: 7و 123/ 3760، سنن الترمذي 4: 219، مجمع الزوائد 8: 120، كنز العمّال 3:
573/ 7954، السرائر 3: 633.