وَذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» [1] .
وهذا القول مجاز، والمراد به إذلال أمر الجاهلية، وحطّ أعلامها، ونقض أحكامها، كما يستذلّ الشيء الموطوء الذي تدوسه الأخامص [2]
الساعية، والأقدام الواطئة، فلا يبقى منه مرفوع إلّا وضع، ولا قائم إلّا صرع.
(103) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي وَصِيَّةٍ وَصَّى بِهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا أَرَادَ بَعْثَهُ إِلَى مُؤْتَةَ لِيَثْأَرَ بِأَبِيهِ زَيْدٍ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ الْبَارِقَةِ» [3] .
وهذا القول مجاز، و «البارقة» هاهنا السيوف، وليس الجنّة تحتها على الحقيقة، وإنّما المراد أنّ الصبر تحتها لجهاد الكافرين، ودفاع أعداء الدين، يفضي بالصابر إلى دخول الجنّة، ونزول دار الأمنة، فلمّا كان ذلك سبب دخولها والوصول إلى نعيمها، جاز أن يسمّيه باسمها، ونظائر ذلك كثيرة، وقد أشرنا في كتابنا هذا إلى بعضها.
(104) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْتُوبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: «لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ، وَإِنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً» [4] .
(1) سنن أبي داود 1: 426، السنن الكبرى 5: 8، الدرّ المنثور 1: 226.
(2) جمع أخمص، وهو القدم.
(3) الدرّ المنثور 3: 189، المناقب للكوفي 2: 353النهاية في غريب الحديث 1: 120عن عمّار.
(4) سنن أبي داود 1: 630/ 2766، السنن الكبرى 9: 222، البداية والنهاية 4: 192تفسير نور الثقلين 5: 53، مناقب ابن شهر آشوب 1: 175.