فوصف الاستغفار بأنّه يهدم الذنوب مجاز لأنّ المعاصي الكثيرة لمّا كانت كالبناء في تراكب أجزائها واستغلاظ جرابها [1] ، كان استغفار النادم وإقلاع التائب، كأنّهما هدم لذاك البناء من أساسه، وكبّ له على امّ رأسه.
{بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} *
(191) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» [2] .
وهذا القول مجاز، والمراد: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيّ يداوم تلاوة القرآن، فيجعله دأبه وديدنه، وهجّيراه [3] وشغله، كما يجعل غيره الغناء مستروح حزنه، ومستفسح قلبه، ليس أنّ هناك غناء به على الحقيقة، وهذا كما يقول القائل: «قد جعل فلان الصوم لذّته، والصلاة طربته» إذا أقامهما مقام شغل غيره باللذّات، وطربه إلى المستحسنات.
وقد قيل: «إنّ المراد بذلك تحزين القراءة ليكون أشجى للسامع، وآخذ بقلب العارف، فسمّى هذه الطريقة: «غناء» على الاتساع لأنّها تقود أزمّة القلوب، وتستميل نوازع النفوس [4] . وإلى ذلك ذهب عليه
(1) الجراب: جوف البئر من أعلاها إلى أسفلها، يقال اطو جرابها بالحجارة، وما أصلب جرابها، وإنّها لمستقيمة الجراب. أقرب الموارد 1: 112، مادّة (ج ر ب) .
(2) سنن النسائي 2: 180، مسند أحمد 2: 271، سنن الدارمي 2: 472، صحيح البخاري 8: 195، صحيح مسلم 2: 192، مستدرك الحاكم 1: 570، التبيان في تفسير القرآن 5: 246، تفسير نور الثقلين 5: 536/ 5.
(3) الهجّير كسكّيت: العادة والدأب. أقرب الموارد 2: 1372، مادّة (هـ ج ر) .
(4) انظر: فتح الباري 10: 445.