ولا بدّ أن يوفّيه تعالى ما يستحقّه من العقاب في دار الجزاء، إلّا أن يكون منه توبة يسقط بها عقابه، أو طاعة عظيمة تصغر معها معصيته.
فالحرم لا يمنع من العذاب، وإنّما يمتنع الله سبحانه من فعله باللاجئ إليه والعائذ به للعلة التي ذكرناها، فلمّا كان الله تعالى إنّما يفعل ذلك لأجل الحرم، جاز أن ينسبه إليه على طريق المجاز وعادة الاتساع.
(99) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَوْثَقُ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى» [1] .
وهذه استعارة لأنّه عليه الصلاة والسلام جعل التقوى، كالعروة التي يتعلّق بها فتنهض من المعاثر، وتنجي من المزالّ والمزالق لأنّ المتّقي لله سبحانه يأمن من نقماته، وينجو من سطواته، فيكون كالممسك بعروة الحبل المتين، والمستند إلى النضد [2] الأمين.
(100) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ: «إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ» [3] .
وهذه استعارة واقعة موقعها، ومقرطسة [4] غرضها لأنّه عليه الصلاة والسلام شبّه السفر بالطائر الذي قد همّ بالمطار، وجعل الآخذ أهبة [5]
المسافر كالكائن على جناح ذلك الطائر ينتظر نهوضه، ويترقّب
(1) الاختصاص: 342، كنز العمّال 15: 919/ 43587، 929/ 43595، الدرّ المنثور 2: 225، البداية والنهاية 5: 17.
(2) النضد: ما نضّد من الأشياء، فجعل بعضها فوق بعض. راجع المصباح المنير: 610، مادّة (ن ض د)
(3) عنه البحار 83: 343.
(4) أي مصيبه للقرطاس، وهو الغرض. راجع أقرب الموارد 2: 986، مادّة (ق ر ط س) .
(5) الاهبة: العدّة (الصحاح: 1/ 89، لسان العرب: 1/ 217) .