«إنّ علمهما لا يدرك، كالماء الغائر الذي لا يقدر عليه، ولا يهتدى إليه» .
(242) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ عِضٌّ يَسْتَحِلُّ الْفَرْجَ وَالْحَرِيرَ» [1] .
وفي هذا الكلام مجازان:
أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: «ملك عضّ» و «العضّ» في الأصل: هو الرجل الداهية المنكر. وربّما سمّي أيضا بذلك الرجل السيّء الخلق المتكبّر، قال حسّان بن ثابت:
وصلت به ركني وخالط شيمتي ... ولم أك عضّا في النّدامى ملوّما [2]
فكأنّه عليه الصلاة والسلام شبّه الملك الذي أومأ إليه في السطوة والقسوة والطماح [3] والنزوة [4] ، بذي الدهاء والنكر، أو بذي الشموخ والكبر.
والمجاز الآخر: قوله عليه الصلاة والسلام: «يستحلّ الفرج والحرير» وإنّما أراد أنّ أهله يستحلّون ذلك، فحسنت إضافته إلى الملك لمّا كان الاستحلال واقعا في الملك، ونظائر ذلك كثيرة.
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِهَذَا الْخَبَرِ: «ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ عَاضٌّ»
وهذه أيضا استعارة، وذلك كقول القائل: «قد عضّني الدهر» إذا أثّرت فيه
(1) نثر الدر 1: 230، نهج الحقّ: 316مع اختلاف.
(2) ديوان حسّان بن ثابت: 219، الشيمة: الخلق والعادة، النّدامى: جمع النّدام، وهو جمع النديم، وهو الذي يرافقك ويشاربك.
(3) أي الكبر والفخر لارتفاع صاحبه. لسان العرب 8: 198مادّة (ط م ح) .
(4) الطماح والكبر. راجع لسان العرب 14: 115، مادّة (ن ز و) .