الدنيا، ولا مغترّ بها، ولا واثق بما يرى عليه أحوال أهلها.
ولعمرو بن بحر الجاحظ في الإصابة بالعين مذهب انفرد به، وذلك أنّه يقول: «إنّه لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة، فتؤثّر فيه، وتجني عليه، ويكون هذا المعنى خاصّا ببعض الأعين، كالخواصّ في الأشياء» [1] ، وعلى هذا القول اعتراضات طويلة، وفيه مطاعن كثيرة لا يقتضي هذا الكتاب استيفاء ذكرها، واستقصاء شرحها.
(288) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْإِسْلَامُ ذَلُولٌ لَا يَرْكَبُ إِلَّا ذَلُولًا» [2] .
وهذه استعارة، والمراد أنّ الإسلام سهل القياد لمن اقتاده، وطيء الظهر [3] لمن اقتعده، لا يتوقّص براكبه [4] ، ولا يتقاعس على جاذبه، فهو كالبعير الذلول الذي يسهل مرامه، ويطوع زمامه، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يركب إلّا ذلولا» أي لا يستجيب من الناس إلّا من لانت للدين عرائكه [5] ، وقربت عليه مآخذه، وطاعت نفسه باحتمال أعبائه، والصبر على لأوائه [6] ، فأشبه المسلم من هذا الوجه أيضا الفرس الذلول
(1) الحيوان 2: 133.
(2) مسند أحمد 5: 145، مجمع الزوائد 1: 62، كنز العمّال 1: 66/ 244، الدرّ المنثور 1: 192.
(3) أي سهله ليّنه.
(4) أي لا يرمي به فيدقّ عنقه. المصباح المنير: 668، مادّة (وق ص) .
(5) العرائك: جمع عريكة، وهي الخلق. أقرب الموارد 2: 773، مادّة (ع ر ك) .
(6) أي شدّته. المصباح المنير: 561، مادّة (ل وي) .