والسلام بما هو من جنسه، وماض على نهجه، فقال: «قيّده الإسلام» لأنّه عليه الصلاة والسلام لمّا جعله بمنزلة البعير الشارد، وجعل هو ما ردّه عن ذلك الشراد وعكسه عن تلك الحال بمنزلة القيد والعقال، وهذا القول من النبيّ عليه الصلاة والسلام أيضا داخل في باب المجاز.
(278) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» [1] .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «الْأَجْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» [2] .
وهذا القول مجاز، والمراد بالصدمة أوّل ما يطرق الإنسان من النوائب، ويبدهه [3] من المصائب، فشبّه ذلك عليه الصلاة والسلام في شدّة وقعته وعظيم روعته بصدمة الجسيم الشديد أو صكّة الحجر الثقيل في أنّه يوهن ويحطم، ويرمض [4] ويؤلم، فإذا صبر الإنسان لتلك الواقعة، وتماسك تحت تلك الروعة، وسلّم للأقضية النازلة والأقدار الغالبة، ولم ينفذ في جواذب الجزع، ويركض في مضمار القلق، اعطي الأجر برمّته، وقيد إليه بأزمّته لأنّ ما يطرق الإنسان وهو ذاهل ويفجأه وهو غافل، أعظم نكاية لقلبه وإيجاعا لنفسه ممّا يطرق وقد أخذ له اهبته، وأعدّ له عدّته.
(1) سنن النسائي 4: 22، صحيح البخاري 2: 79، صحيح مسلم 3: 40، سنن ابن ماجة 1: 509/ 1596، سنن أبي داود 2: 64/ 3124، سنن الترمذي 2: 228/ 992، السنن الكبرى 4:
65، مجمع الزوائد 1: 56، كنز العمّال 3: 272/ 6510، الدرّ المنثور 1: 158.
(2) دعائم الإسلام 1: 223.
(3) أي يفاجئه. المصباح المنير: 56، مادّة (ب غ ت) .
(4) أي يحرق بالرمضاء، وهي الحجارة الحامية من حرّ الشمس. المصباح المنير: 238، مادّة (ر م ض) .