(338) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يُشَقِّقُونَ الْكَلَامَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ» [1] .
وهذا القول مجاز، والمراد الذين يتصرّفون في الكلام، فيدقّقون فيه، ويتعمّقون [2] في معانيه، وشبّه عليه الصلاة والسلام فعلهم ذلك بتشقيق الشعر لأنّ طاقات الشعر مستدقّة [3] في نفوسها، وإذا تعاطى الإنسان تشقيقها انتهت من الدقّة إلى غاية لا زيادة وراءها. وهذا اللعن في الخبر إنّما يتناول من بلغ في تدقيق الكلام إلى ذلك الحدّ ليشتبه الباطل بالحقّ، ويجوز الغيّ بالرّشد، كما قلنا في تأويل
قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَبْغَضِكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ» [4] .
(339) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيَدْخُلَنَّ هَذَا الدِّينُ عَلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» [5] .
وهذا القول مجاز، والمراد انتشار الإسلام في الشرق والغرب، واشتماله على البرّ والبحر، فجعله عليه الصلاة والسلام من هذا الوجه
(1) مسند أحمد 4: 98، مجمع الزوائد 2: 191و 8: 116، وفيهما: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، كنز العمّال 3:
562/ 7916، وفيه: «يشقّقون الخطب» .
(2) التعمّق في الأمر: المبالغة والتشديد فيه. النهاية في غريب الحديث 3: 299، لسان العرب 10:
(3) استدقّ الشيء: صار دقيقا. الصحاح 4: 1476، لسان العرب 10: 102.
(4) مسند أحمد 4: 193، 194، سنن الترمذي 3: 250/ 2087، مجمع الزوائد 8: 21.
(5) مسند أحمد 4: 103، كنز العمّال 1: 267/ 1345، وفيهما: «ليبلغنّ هذا الأمر» .