أي ضاعت بغل هذه الناقة بهذا الموضع المذكور، وذلك لا يكون إلّا عند تقطّع هلبها، وإجحاف السير بها.
(207) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» [1] .
ووصف الدّين بالمتانة هاهنا مجاز، والمراد أنّه صعب الظهر، شديد الأسر [2] ، مأخوذ من متن الإنسان: وهو ما اشتدّ من لحم منكبيه. وإنّما وصفه عليه الصلاة والسلام بذلك لمشقّة القيام بشرائطه، والأداء لوظائفه، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يدخل الإنسان أبوابه مترفّقا، ويرقى هضابه متدرّجا ليستمرّ على تجشّم [3] متاعبه، ويمرن على امتطاء مصاعبه. وشبّه عليه الصلاة والسلام العابد الذي يحسر منته ويستنفد طاقته بالمنبت: وهو الذي يغذّ السير [4] ، ويكدّ الظهر، منقطعا من رفقته، ومنفردا عن صحابته، فتحسر مطيّته [5] ، ولا يقطع شقّته [6] ، وهذا من أحسن التمثيلات، وأوقع التشبيهات.
وممّا يقوّي المراد بهذا الخبر ما كشفناه من حقيقة الخبر الآخر عنه
(1) الكافي 2: 87/ 6، رواه عن أبي عبد الله عليه السّلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، مسند أحمد 3: 199، السنن الكبرى 3: 19، مجمع الزوائد 1: 62، كنز العمّال 3: 40/ 5376، الدرّ المنثور 1: 192.
(2) أي الخلق، قال تعالى: {وشددنا أسرهم} أي قوّينا خلقهم. المصباح المنير: 14، مادّة (أس ر) .
(3) أي تحمّلها على مشقّة. راجع المصباح المنير: 102مادّة (ج ش م) .
(4) أي يسيرع فيه أقرب الموارد 2: 863، مادّة (غ ذ ذ) .
(5) أي تعيا. أقرب الموارد 1: 190، مادّة (ح س ر) .
(6) أي طريقة الطويل الذي يشقّ قطعه ويصعب. راجع أقرب الموارد 1: 603، مادّة (ش ق ق) .