فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 387

إليكم» على طريق الاتّساع والمجاز.

وقوله عليه الصلاة والسلام من بعد: «وما يستطيعون له إلّا لزوما» ، المراد به أنّهم من قوارع النّذر وصوادع الغير [1] وزواجر التحذير وبوالغ الوعيد، يتنازعون إلى فعله، ويستارعون إلى ورده، وليس المراد أنّهم لا يستطيعون له إلّا لزوما على الحقيقة، وإنّما قيل ذلك على طريق المبالغة في صفتهم بالنزوع إليه، والإصرار عليه، كما يقول القائل: «ما أستطيع النظر إلى فلان» أو «لا أستطيع الاجتماع مع فلان» إذا أراد المبالغة في وصفه بشدة الإبغاض لذلك الإنسان، والاستثقال لرؤيته، والنفور من مقاعدته، وإن كان على الحقيقة مستطيعا لذلك بصحّة أدواته، والتمكّن من تصريف إرادته، ولو لم يكن هؤلاء المذكورون في الخبر قادرين على الانفصال من فعل المنكر، لما كانوا قادرين على مواقعته، مذمومين، وبجريرته مطالبين، وذلك أوضح من أن نستقصي الكلام فيه، ونستكثر من الحجاج عليه.

(257) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ [2] خَبَثَ الْحَدِيدِ» [3] .

يريد عليه الصلاة والسلام الهجرة إلى المدينة، فقوله: «أمرت بقرية تأكل القرى» مجاز، والمراد أنّ أهلها يقهرون أهل القرى فيملكون

(1) أي الأحداث المغيّرة. أقرب الموارد 2: 895، مادّة (غ ي ر) .

(2) أي منفاخ الحدّاد، وكان يصنع من الجلود. راجع المصباح المنير: 545، مادّة (ك ي ر) .

(3) مسند أحمد 2: 237، 247، 384، صحيح البخاري 2: 221، الموطّأ 2: 887/ 5مع اختلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت