وفى الحديث الصحيح: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» .
وروح الوئام حياته، أراد الحياة التى تحصل بسببه لأنه سبب لبقاء الناس وتوادهم، والروح يعبر به عما تحصل به الحياة ومنه قوله تعالى:
{ (يُنَزِّلُ الْمَلََائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [1] ) .
أى بالوحى، سماه روحا لحصول حياة القلوب به، فكأنه قال: لولا الوئام وثمرته، ولكنه جاء بالمثل على طريقة قولهم يعجبنى زيد وحسنه، المقصود الحسن، لكن جىء به معطوفا على من اتصف به مبالغة، وطاح: بمعنى هلك والأنام الإنس، وقيل الإنس، والجن، وقيل كل ذى روح، والقلا، البغض: أى لهلك الناس في الاختلاف والتباغض، جعلهما ظرفين مجاز، أو يكون «فى» بمعنى الباء: أى لهلكوا بهما، كأنه وقع في نفسه أن من الناس من يخالفه فيما قصد من الاصطلاح ويعيبه، وربما اغتيب لأجله فحذر من ذلك كله، والله أعلم.
80 [وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب ... تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا]
سالما حال وصدرا تمييز: أى سالما صدرك من كل خلق رديء. والغيبة: ذكر الإنسان في غيبته بما يكره سماعه لا لمصلحة دينية، وقوله فغب، أى لا تحضر مع المغتابين ولا توافقهم ولا تصغ إليهم، فتكون في حكمهم، فإن لم يستطع أن يغيب بجسمه فليغب بقلبه وسمعه ولسانه، فيكون حاضرا صورة غائبا معنى.
وإنما اعتنى بذكر الغيبة من بين الأخلاق المذمومة لغلبتها على أهل العلم، ومنه قيل: الغيبة فاكهة القراء.
وقال بشر بن الحارث: هلك القراء في هاتين الخصلتين. الغيبة والعجب، وقوله تحضر من الحضور الذى هو ضد الغيبة، وحظار القدس مفعول ثان لتحضر، أو على حذف حرف الجر: أى في حظار القدس، والحظار الحظيرة تعمل للإبل من شجر لتقيها البرد والريح. وحظيرة القدس: الجنة، وأنقى مغسلا حالان: أى نقيا من الذنوب مغسلا منها. والقدس: الطهارة، وقيل هو موطن في السماء فيه أرواح المؤمنين، والله أعلم.
81 -وهذا زمان الصّبر من لك بالّتى ... كقبض على جمر فتنجو من البلا
يريد أن الناس قد تغيروا وفسدوا، وساءت مقاصدهم، وكثر نفاقهم، فقل من يوثق به منهم أو يسلم من أذاهم.
وقد أدركنا الزمان الذى أخبر عنه المصطفى صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أبو ثعلبة الخشنى عنه قال:
«ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذى رأى برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوامّ فإنّ من ورائكم أيّاما الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فهنّ أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«يأتى على النّاس زمان الصّابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» .
أخرجهما الترمذى وقال حديث حسن غريب.
(1) سورة النحل، آية: 2.