1127[إذا كبّروا في آخر النّاس أردفوا
مع الحمد حتّى المفلحون توسّلا]
الضمير في كبروا للمكيين، بين في هذا البيت آخر مواضع التكبير وكان قد أجمل ذلك في قوله مع الخواتم قرب الختم وفى البيت الآتى يبين أول ذلك ومفعولا أردفوا محذوفان أى أردفوا التكبير مع قراءة سورة الحمد قراءة أول سورة البقرة حتى يصلوا إلى قوله وأولئك هم المفلحون وهذا يعبر عنه بعض المصنفين بأنه أربع آيات ويعبر عنه آخرون بأنه خمس آيات ووجه ذلك الاختلاف في لفظ الم فعدها الكوفى آية ولم يعدها غيره وحكى الناظم لفظ القرآن بقوله حتى المفلحون وتوسلا مفعول من أجله أى تقربا إلى الله تعالى بطاعته وذكره ولا تكبير بين الحمد والبقرة قال مكى يكبر في أول كل سورة من ألم نشرح إلى أول الحمد ثم يقرأ الحمد فإذا تم لم يكبر وابتدأ بالبقرة من غير تكبير فقرأ منها خمس آيات قال وروى أن أهل مكة كانوا يكبرون في آخر كل ختمة من خاتمة والضحى لكل القراء لابن كثير وغيره سنة نقلوها عن شيوخهم لكن الذى عليه العمل عند القراء أن
يكبروا في قراءة البزى عن ابن كثير خاصة وبذلك قرأت قال وحجته في التكبير أنها رواية نقلها عن شيوخه من أهل مكة في الختم يجعلون ذلك زيادة في تعظيم الله عز وجلّ مع التلاوة لكتابه والتبرك بختم وحيه وتنزيله والتنزيه له من السوء لقوله وربك فكبر ولتكبروا الله وكبره تكبيرا ولذكر الله أكبر قال وحجته في الابتداء في آخر ختمه بخمس آيات من البقرة أنه اعتمد في ذلك على حديث صحيح مروى عن النبى عليه الصلاة والسلام أنه سئل أى الأعمال أفضل فقال الحال المرتحل يعنى الذى ارتحل من ختمة أتمها ويحل في ختمة أخرى أى يفرغ من ختمة ويبتدئ بأخرى وعلى ذلك أدرك أهل بلدة مكة قلت قد سبق الكلام على هذا الخبر وبيان ضعفه فلا يغتر بقول مكى إنه صحيح وأحسن من عبارته عبارة أبى الحسن ابن غلبون قال فإذا قرأ قل أعوذ برب الناس كبر ثم قرأ فاتحة الكتاب وخمسا من سورة البقرة لأنه يقال أن النبى صلّى الله عليه وسلم سمى من فعل ذلك الحال المرتحل كما حدثنى أبى رحمه الله وساق الحديث عن صالح المزى عن قيادة عن زرارة عن ابن عباس أن رجلا قام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أى الأعمال أحب إلى الله فقال الحالّ المرتحل فقال يا رسول الله وما الحال المرتحل قال فتح القرآن وختمه صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل قال فقيل إنه عليه الصلاة والسلام يعنى بذلك أنه يختم القرآن ثم يقرأ فاتحة الكتاب وشيئا من البقرة في وقت واحد قلت أصل الحديث ضعيف كما سبق نم زاد بعضهم فيه التفسير غير منسوب إلى النبى عليه الصلاة والسلام فحملناه على أن بعض رواته المذكورين في سنده فسره على ما وقع له في معناه وهذا الحديث قد بين فيه أن المفسر له هو النبى صلّى الله عليه وسلم وهى زيادة غير معروفة فقد روى الأهوازى هذا التفسير بعينه ولم يقل في الحديث يا رسول الله ثم ولو صح هذا الحديث والتفسير لكان معناه الحث على الإكثار من قراءة القرآن والمواظبة عليها فكلما فرغ من ختمة شرع في أخرى، أى إنه لا يضرب عن القراءة بعد ختمة يفرغ منها بل تكون قراءة القرآن دأبه وديدنه وفى رواية أخرى أخرجها الأهوازى في كتاب الإيضاح الحال المرتحل الذى إذا ختم القرآن رجع فيه ثم هذا الفعل من التكبير وقراءة الحمد إلى المفلحون مروى عن ابن كثير نفسه مأخوذ به عن طريق البزى وقنبل على ما سنوضحه قال أبو الطيب ابن غلبون ولم يفعل هذا قنبل ولا غيره من القراء أعنى التكبير، وهذه الزيادة من أول سورة البقرة في قراءة الختمة سوى البزى وحده قال أبو الفتح فارس ابن أحمد ولا نقول إن هذا سنة ولا أنه لا بدّ لمن ختم أن يفعله فمن فعله فحسن جميل ومن ترك فلا حرج قال صاحب التيسير وهذا يسمى الحال المرتحل وفى جميع ما قدمناه أحاديث مشهورة يرويها العلماء يؤيد بعضها بعضا تدل على صحة ما فعله ابن كثير * قلت لم يثبت
شيء من ذلك وأكثر ما في الأمر أن ابن كثير كان يفعله والحديث المسند في ذلك هو في بيان سند قراءة ابن كثير أى أخذ ابن كثير عن درباس عن ابن عباس عن أبى عن النبى صلّى الله عليه وسلم وفيه وقرأ النبى عليه الصلاة والسلام على أبى فالسند المذكور إنما هو لبيان ذلك ثم قرأ في آخر الحديث وأنه كان اذا قرأ قل أعوذ برب الناس افتتح من الحمد ثم قرأ البقرة إلى وأولئك هم المفلحون ثم دعا بدعاء الختم ثم قال يعنى بذلك ابن كثير والله أعلم. وقد قال أبو طالب صاحب أحمد ابن حنبل سألت أحمد إذا قرأ قل أعوذ برب الناس يقرأ من البقرة شيئا قال لا يقرأ فلم يستحب أن يصل ختمه بقراءة شيء ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه ذكره شيخنا أبو محمد ابن قدامة في كتابه المغنى وذكر أبو الحسن ابن غلبون وغيره رواية عن الأعمش عن إبراهيم قال كانوا يستحبون اذا ختموا القرآن أن يقرءوا من أوله آيات قلت ولكل من المذهبين وجه ظاهر.
1128[وقال به البزّىّ من آخر الضّحى
وبعض له من آخر اللّيل وصّلا]
اتبع في ذلك ما في كتاب التيسير من نسبة ذلك إلى البزى وحده على ما حكاه أبو الطيب ابن غلبون وابنه أبو الحسن ولا يختص ذلك بالبزى عند جماعة من مصنفى كتب القراءات بل هو مروى عن قنبل كما هو مروى عن البزى لكن شهرته عن البزى أكثر وعنه انتشرت الآثار في ذلك على ما سبق بيانه وقوله به أى بالتكبير بين بهذا البيت أوّل مواضع التكبير التى أجملها في قوله قرب الختم فأكثر أهل الأداء على أنه من آخر والضحى وهو الصحيح لأن الآثار في ذلك ألفاظها كما سبق مصرحة في بعض الروايات بألم نشرح وذلك آخر والضحى وفى بعضها إطلاق لفظ والضحى وهو يحتمل الأوّل والآخر فيحمل هذا المطلق على ذلك التقييد ويتعين الآخر لذلك قال أبو الحسن ابن غلبون: اعلم أن القراء أجمعوا على ترك التكبير من سورة والضحى إلا البزى وحده فإنه روى عن ابن كثير أنه يكبر من خاتمة والضحى إلى آخر القرآن ثم روى عن أبى الحسن اللغوى إجازة قال أخبرنا ابن مجاهد حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا يعقوب ابن سفيان حدثنا الحميد حدثنا سفيان حدثنا إبراهيم ابن أبى حية أنبأنا حميد عن مجاهد قال ختمت على ابن عباس بضعا وعشرين ختمة كلها يأمرنى أن أكبر من ألم نشرح وبه عن سفيان قال رأيت حميد الأعرج يقرأ والناس حوله فإذا بلغ والضحى كبر اذا ختم كل سورة حتى يختم ولم يذكر صاحب التيسير التكبير إلا من آخر والضحى فقول الناظم «وبعض له» أى للبزى وصل التكبير من آخر سورة والليل يعنى من أول والضحى فهذا الوجه من زيادة هذه القصيدة وهو قول صاحب الروضة قال روى البزى التكبير من أول سورة والضحى إلى خاتمة الناس ولفظه الله أكبر تابعه الزينبى عن قنبل في لفظ التكبير وخالفه في الابتداء به فكبر من أول سورة ألم نشرح قال ولم يختلفوا أنه منقطع مع خاتمة الناس وحكى ابن الفحام وجها عن السوسى أنه يكبر من أول ألم نشرح إلى خاتمة الناس والله أعلم وقال الحافظ أبو العلا كبر البزى وابن فليح وابن مجاهد وابن الصلت عن قنبل من فاتحة والضحى وفواتح ما بعدها من السور إلى سورة الناس وكبر الباقون من فاتحة ألم نشرح إلى سورة الناس قال وأجمعوا على ترك التكبير بين خاتمة الناس وبين الفاتحة إلا ما رواه فلان عن قنبل زاد بعضهم قراءة أربع آيات من أول البقرة.