قلت: القرآن العربى فيه من جميع لغات العرب لأنه أنزل عليهم كافة وأبيح لهم أن يقرءوه على لغاتهم المختلفة، فاختلفت القراءات فيه لذلك، فلما كتبت المصاحف هجرت تلك القراءات كلها، إلا ما كان منها موافقا لخط المصحف، فإنه بقى، كقراءة إن هذان كما سبق، ومثل هذا التنوين فإن كتابة الألف في آخر الاسم المنصوب يشعر بالتنوين، وقد بينا هذه القاعدة وقررناها في كتاب الأحرف السبعة الملقب «بالمرشد الوجيز» وقد وجهت هذه اللغة بأنه أصل الكلام، وعلة الجمع ضعيفة في اقتضاء منع الصرف، بدليل صرف باقى أبنية الجموع،
وكونه لا نظير له في الآحاد غير مقتض لمنع الصرف بدليل العلم المرتجل الذى لا نظير له في أسماء الأجناس يقاس عليه لا بمنع الصرف، وفيه علتان: العلمية وكونه لا نظير له، وهذا كان أولى بالمانعية لأن العلمية مانعة في مواضع بشرطها والجمع غير معروف منه منع الصرف إلا في هذا الموضع المتنازع فيه، فهذا الوجه من القياس مقوّ لهذه اللغة المسموعة.
ووجه آخر: قال أبو على: إن هذه الجموع أشبهت الآحاد لأنهم قد قالوا صواحبات يوسف، فلما جمع جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها، فهذا معنى قوله: إذ رووا صرفه لنا، وقال الزجاج:
الأجود في العربية أن لا يصرف سلاسل، ولكن لما جعلت رأس آية صرفت ليكون آخر الآى على لفظ واحد.
قلت: ادّعاء أن سلاسل رأس آية بعيد، ولكن الممكن أن يقال: المعرف به في القرآن هو اللغة الفصيحة، وهو منع صرف هذا الوزن من المجموع، بدليل: صوامع ومساجد، وإنما عدل عن لغة المشهورة في سلاسل إرادة التناسب لما ذكر معها من قوله وأغلالا وسعيرا.
فإن قلت فكان ينبغى على هذا صرف صوامع ومساجد ليشاكلا لفظ بيع وصلوات من قوله تعالى {لَهُدِّمَتْ صَوََامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوََاتٌ وَمَسََاجِدُ} .
قلت: إنما فعل ذلك في المنصوب خاصة، لأن المناسبة تحصل فيه وقفا ووصلا، فإن المنوّن يوقف عليه بالألف، فكان الرسم الألف دالا على الأمرين، أما غير المنصوب، فإنه يوقف عليه بالسكون، منوّنا كان أو غير منوّن، فلا حاجة تدعوا إلى صرفه لأجل المناسبة وصلا، والمناسبة في الوقف مهمة، بل هى العمدة في ذلك، بدليل أن جماعة ممن لم ينوّن في الوصل يثبت الألف في الوقف، ونظير هذا الموضع قراءة من قرأ في سورة نوح ولا يغوثا ويعوقا بالتنوين، لأجل أن قبله ودّا ولا سواعا وبعده ونسرا وهذا تعليل الزمخشرى في ذلك، فإنه قال لعله قصد الازدواج فصرفهما لمصادفته أخواتهما منصرفات، كما قرئ وضحاها بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواج هذا قوله هنا: ويجيء مثل ذلك في سلاسلا وهو وجه سائغ، فعدل عن ذلك لما وصل إليه، وقال فيه وجهان:
أحدهما أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق، ويجرى الوصل مجرى الوقف.
والثانى: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف.
قال الشيخ: هذا كلام صدر عن سوء الظن بالقراءة، وعدم معرفته بطريقتهم في اتباع النقل.
قلت: هذا جواب الوجه الثانى.
وأما الوجه الأول: فالتنوين الذى حمله عليه يسمى بتنوين الترنم، النائب مناب حرف الإطلاق، ولا يستقيم ذلك هنا، فان ذلك التنوين ثابت وقفا، وهذا مبدل منه ألف في الوقف، وكل تنوين أبدل منه ألف في الوقف فهو تنوين الصرف، ولو كان هذا التنوين في كلمات الأحزاب الظنونا والرسولا والسبيلا لكان تنوين الترنم فإن الألف في الوقف ألف الإطلاق، فلتكن النون القائمة مقامه كذلك، ولو كان هذا التنوين ثابتا في سلاسل وقفا، كما هو ثابت وصلا لأمكن فيه ذلك على أنه لغة ضعيفة أيضا، قال أبو الحسن الأخفش: لا يجوز في الظنونا وشبهه تنوين الأعلى لغة من ينوّن في القوافى، قال: ولا تعجبنى تلك اللغة لأنها ليست لغة أهل الحجاز.
قلت: فكل من لوّن سلاسلا في الوصل وقف عليه بالألف، ومن لم ينوّن وصلا اختلفوا، فمنهم من وقف على اللام ساكنة، وهو الذى عبر عنه بالقصر، وهذا قياس قراءتهم في الوصل، وهم: حمزة، وقنبل، بلا خلاف والبزى وحفص وابن ذكوان بخلاف عنهم، ومنهم من وقف بألف اتباعا للرسم، وهم أبو عمرو وهؤلاء الرواة الثلاثة في وجههم الثانى، وتكون ألف الوقف عند هؤلاء ألف الإطلاق، كالتى في الظنونا وشبهه «وعن» في قول الناظم «من عن» اسم كالتى في قول القطامى.