فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 791

وقال الزجاج: النصب على إضمار «أن» لأن قبلها جزاء تقول ما تصنع أصنع مثله وأكرمك، على معنى وأن أكرمك وإن شئت، وأكرمك بالرفع على معنى: وأنا أكرمك، ويجوز وأكرمك جزما.

قلت: النصب في هذا المثال على ما قررناه من معنى الجمعية أى أصنعه مكرما لك، فالنصب يفيد هذا المعنى نصا والرفع يحتمله، على أن تكون الواو للحال، ويحتمل الاستئناف.

وقال الزمخشرى: ما قاله الزجاج فيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه، قال: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتنى آتك وأعطيك، ضعيف وهو نحو من قوله.

وألحق بالحجاز فأستريحا:

فهذا يجوز وليس بحد للكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا، لأنه ليس بواجب أن يفعل، إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذى لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، قال: ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة.

قلت النصب بالواو في هذا المعنى ليس بضعيف، بل هو قوى، بدليل الإجماع على نصب ما في آل عمران وأما بالفاء فضعيف لأن الفاء لا تفيد ما تفيده الواو من معنى الجمعية، فلهذا كانت قراءة من قرأ في آخر البقرة يحاسبكم به الله فيغفر بالنصب شاذة، وقد أنشد الأعشى في بيتين نصب ما عطف بالواو لهذا المعنى:

ومن يغترب عن أهله لا يزل يرى ... وتدفن منه الصالحات

مع أنه لا ضرورة إلى النصب فالرفع كان ممكنا له فما عدل إلى النصب إلا لإرادة هذا المعنى، وهذا النصب بالواو لهذا المعنى كما يقع في العطف على جواب الشرط يقع أيضا في العطف على فعل الشرط، نحو إن تأتنى وتعطينى أكرمك، قال أبو على: فينصب تعطينى وتقديره: إن يكن إتيان منك وإعطاء أكرمك.

قلت: مراده أن يجتمعا مقترنين ولو أراد مجرد وقوع الأمرين معرضا عن صفة الجمعية لكان الجزم يفيد هذا المعنى، فقد اتضحت ولله الحمد قراءة النصب على هذا المعنى من العطف إن يشإ يسكن الريح فتقف السفن أو إن يشأ يعصف الريح فيغرقها وينج قوما بطريق العفو عنهم، ويحذر آخرين بعلمهم ما لهم من محيد:

فإن قلت: كيف يوقف العفو على الشرط، وهذا الكلام خارج مخرج الامتنان، ولهذا قيده بقوله عن كثير، ولو كان معلقا على المشيئة لأطلق العفو عن الكل، نحو ولو شاء الله لجمعهم على الهدى:

قلت: إنما علقة على الشرط ليتبين أنه إنما يفعل ذلك بمشيئته وارادته، لا بالاستحقاق عليه، وأما ويعلم فإن جعلنا الذين بعده فاعلا سهل دخوله في حيز الشرط، وإن جعلناه مفعولا فالمعنى يعلمه واقعا نحو إلا لنعلم من يتبع الرسول أى نبقيهم على الكفر، ولا يسهل لهم الإيمان حتى يؤتوا ولهذا للإشكال قال ابن القشيرى رحمهما الله في تفسيره: ويعف معطوف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، قال وقرئ ويعفو بالرفع.

قلت فيكون مستأنفا ويعلم عطف عليه إن كان مرفوعا ونظيره في هذه السور فان يشأ الله يختم على قلبك ثم استأنف فقال ويمحو الله الباطل ويحق الحق وبعضهم جعل يمح مجزوما عطفا على يختم، واستدل بأنه كتب في المصحف بغير واو، فيكون الاستئناف بقوله ويحق كقوله في براءة ويتوب الله على من يشاء ويجوز أن تكون قراءة القراء ويعف بغير واو لمعنى الأخبار المستأنف، وحذف الواو ليس للجزم، بل للتخفيف كما

تحذف الألف والياء لذلك، فالجميع حرف علة، والواو أثقلها فالحذف لها أقيس وأولى، قال الفراء: كل ياء أو واو تسكنان، وما قبل الياء مكسور، وما قبل الواو مضموم، فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء، قال أبو على: حذفت الألف كما حذفت الياء وإن كان حذفهم لها أقل منه في الياء لاستحقاقهم لها، وذلك في نحو قولهم: أصاب الناس جهد، ولوتر ما أهل مكة عليه، وقولهم حاش لله، ورهط ابن المعل فحذفها في الوقف للقافية كما حذفت الياء: وقد حذفوا من لم يك ولا أدر، قلت: وفى القرآن يوم يأتى وما كنا نبغى وإذا كان الأمر كذلك فحذف الواو من يعفو أولى، لأنها أثقل، وليشاكل ما قبله من المجزوم، فهو كما قالوا في صرف سلاسلا وقواريرا كما يأتى، وكما «رووا رجعن مأزورات غير مأجورات» ولما لم يمكن صورة الجزم في ميم ويعلم حركت بالحركات الثلاث، وذكر الزمخشرى لقراءة النصب وجها آخر، فقال: هو عطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنََّاسِ} وقوله {وَخَلَقَ اللََّهُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} ولتجزى كل نفسى بما كسبت قلت: ومثله {وَكَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ} {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ََ} ولكن كل هذه المواضع ذكر فيها حرف التعليل بعد الواو، ولم يذكر في ويعلم الذين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت