بين بهذا البيت كيفية استعماله الرمز بحروف أبجد، فذكر أنه يذكر حرف القراءة [1] أوّلا ثم يرمز له سواء كان المختلف فيه كلمة أو أكثر، فالكلمة نحو: وتقبل الأولى أنثوا دون حاجز، والكلمتان نحو وكسر بيوت والبيوت يضم عن حماجلة، والثلاث نحو: وقيل وغيض، ثم جىء يشمها البيت، والأربع نحو: وسكن يؤده مع نوله، ونصله، ونؤته منها البيت، وقد تكون قاعدة كلية يدخل تحتها كلم متعددة نحو: وضمك أولى الساكنين البيت، والأغلب أن الرمز المذكور لا يأتى إلا بعد كمال تقييد القراءة إن احتاجت إلى تقييد كالأمثلة التى ذكرناها، وقد وقع قليلا رمز قبل تمام التقييد كقوله: والعين في الكل ثقلا كما دار واقصر مع مضعفة، فقوله كما دار رمز متوسط بين كلمتى التقييد وهما ثقلا واقصر، ومثله ومع مد كائن كسر همزته دلا ولا ياء مكسورا، وأما قوله في سورة غافر: أو أن زد الهمز ثملا وسكن لهم، فإن قوله لهم قام مقام تكرار الرمز، وقد يرمز قبل جملة التقييد كقوله: وإثم كبير شاع بالثا مثلثا، ومثله مع تسمية القارئ قوله: وفى فأزل اللام خفف لحمزة وزد ألفا من قبله فتكملا، والضمير في تنقضى للرجال. ويجوز أن يعود على المسألة برمتها من ذكر الحرف وقرائه، لدلالة سياق الكلام على ذلك.
يريد أنه إذا انقضى ذكر الحرف ورمز من قرأه أتى بكلمة أولها واو تؤذن بانقضاء تلك المسألة واستئناف أخرى، لأن الواو لم يجعلها رمز القارئ بخلاف سائر الحروف، ولو لم يفعل ذلك لاختلطت المسائل وظن ما ليس برمز رمزا لا سيما إذا أتى بكلام بين المسألتين للحاجة إليه في تتميم وزن البيت كقوله: وجها على الأصل أقبلا، وجها ليس إلا مبجلا حق وذو جلا، فإن ما بعد الواو ليس رمزا في كل ذلك، وقد يأتى بكلمة أوّلها واو في أثناء تقييد المسألة لضرورة القافية، فلا تكون الواو فيها فصلا كقوله: من رجز أليم معا، ولا على رفع خفض الميم دل عليمه، وكقوله: والياسين بالكسر وصلا مع القصر مع إسكان كسر دنا غنى، فالواو في ولا ووصلا في هذين الموضعين ليسا بفصل، كما أن ألفاظ التقييد لا تكون أوائلها إلا رمزا، وإنما الرمز ما يأتى بعد كمال التقييد غالبا، كذلك الواو الفاصلة هى ما يأتى بعد كمال المسألة من التقييد والرمز، والله أعلم.
وإثبات الياء في تنقضى، وآتيك، وهما فعلا شرط وجزاء على لغة من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
وحقها حذف الياء منها للجزم، ولم يستقم له حذف الياء من تنقضى، أما من آتيك فكان حذفها جائزا له على ارتكاب زحاف جائز، والناظم لم يفعله لنفور الطبع السليم منه، وفيصلا حال وهو من الصفات التى جاءت على وزن فيعل كضيغم وبيئس وفيه معنى المبالغة، والله أعلم.
47 [سوى أحرف لا ريبة في اتّصالها ... وباللّفظ استغنى عن القيد إن جلا]
نبه بهذا البيت على أنه إنما جعل الواو فاصلة لترتفع الريبة واللبس من اختلاط الحروف، وإنما خس الواو بالفصل، لتأتيها له في النظم، وتيسرها عليه من حيث هى في الأغلب عاطفة، والقراءات تراجم ومسائل يعطف بعضها على بعض، وربما فصل بغير العاطفة كقوله: دار وجها، شاع وصاله في عمد وعوا، وهو قليل، وليس كل كلمة أولها واو يكون الواو فيها فصلا، فإن ذلك قد يقع في كلمات القرآن وفى ألفاظ التقييد،
(1) أى ما وقع الاختلاف فيه بين القراء.