قراءة ضعيفة بعيدة عن فصاحة القرآن، وقل من ذكرها من مصنفى القراءات، بل أعرض عنها جمهور الأكابر، ونعم ما فعلوا، فما كل ما يروى عن هؤلاء الأئمة يكون مختارا، بل قد روى عنهم وجوه ضعيفة، وعجيب من صاحب التيسير: كيف ذكر هذه القراء مع كونه أسقط وجوها كثيرة لم يذكرها، نحو ما نبهنا عليه مما زاده ناظم هذه القصيدة، وهاهنا قراءة صحيحة تروى عن عاصم وأبى عمرو وإنما نؤخرهم ليوم بالنون ذكرها ابن مجاهد وغيره من كبار أئمة القراءة ولم يذكرها صاحب التيسير، لأنها ليست من طريق اليزيدى، وقد أشبعت الكلام في هذا في الشرح الكبير في آخر سورة أم القرآن، وما وزان هذه القراءة إلا أن يقال في أعمدة وأنجدة أعميدة وأنجيدة، بزيادة ياء بعد الميم والجيم، وكان بعض شيوخنا يقول: يحتمل أن هشاما قرأها بإبدال الهمزة ياء، أو بتسهيلها كالياء، فعبر الراوى لها بالياء، فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة، وإنما كان المراد بياء عوضا من الهمزة، فيكون هذا التحريف من جنس التحريف المنسوب إلى من روى عن أبى عمرو بارئكم ويأمركم ونحوه بإسكان حركة الإعراب، وإنما كان ذلك اختلاسا، وفى هذه الكلمة قراءة أخرى ذكرها الزمخشرى في تفسيره، وإن كان قد وهم في توجيهها، وهى بكسر الفاء من غير همز ووجهها أنها: ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها، وحذفت، فهذه قراءة جيدة، وهى صورة ما يفعله حمزة في الوقف عليها، ولعل من روى قراءة الإشباع كان قد قرأها بلا همز، فرد هشام عليه متلفظا بالهمزة، وأشبع كسرتها زيادة في التنبيه على الهمزة، فظن أن الإشباع مقصود، فلزمه ورواه، والله أعلم.
801[وفى لتزول الفتح وارفعه (ر) اشدا
وما كان لى إنّى عبادى خذ ملا]
يعنى فتح اللام الأولى ورفع الثانية. فالهاء في «ارفعه» لهذا اللفظ، فإن على قراءة الكسائى مخففة من الثقيلة مبالغة في الإخبار بشدة مكرهم، كقوله ومكروا مكرا كبارا أى قد كان مكرهم من كبره وعظمه بزبل ما هو مثل الجبال في الامتناع على من أراد إزالتها في ثباتها وعلى قراءة الباقين تكون «إن» إما شرطية، أى: وإن كان مكرهم معادلا إزالة أشباه الجبال الرواسى، وهى المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكر أعظم منه، وإما أن يكون «إن» نافية، واللام في «لتزول» مؤكدة لها، أى وما كان مكرهم بالذى يزيل ما هو بمنزلة الجبال، وهى الشرائع ودين الله تعالى، فإن قلت: على هذا كيف يجمع بين القراءتين؟.
فإن قراءة الكسائى أثبتت أن مكرهم تزول منه الجبال وقراءة غيره نفته؟
قلت تكون الجبال في قراءة الكسائى إشارة إلى أمور عظيمة غير الإسلام ومعجزاته، لمكرهم صلاحية إزالتها، والجبال في قراءة الجماعة إشارة لما جاء به النبى عليه السلام من الدين الحق، فلا تعارض حينئذ، والله أعلم، وأريد حقيقة الجبال قراءة الكسائى، كما قال سبحانه في موضع آخر.
{ (تَكََادُ السَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبََالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمََنِ وَلَدًا} [1] ) .
(1) سورة مريم، آية: 90و 91.